]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأسطورة والنص الأدبي / الأدب الأغريقي يا عرب

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-05-02 ، الوقت: 22:50:12
  • تقييم المقالة:

الأدب الأغريقي يا عرب

بقلم : الكاتب والاديب /العقيد بن دحو/ادرار

الأسطورة و النص الأدبي
هل وصل فعلا النص الأدبي إلى الضيق بذات نفسه؟!
ما الأسطورة !؟من البديهي بأن الخطأ ليس في الأسطورة و لا في السؤال نفسه ، و إنما في طريقة التساؤل،وما دامت متواجدة في شكل سرمدي مع هذا الكون ، من يوم أن خلق و بعث إلى هذا الوجود وحيدا ببشره و طبيعته، بخيره و شره، تؤثر فيه الأسطورة و تتأثر به إيجابا و سلبا و حيدة كانت، و ستظل تغسل أوزار ملاءته بالكلمة التي تقود إلى الفكرة التي تؤدي إلى التأمل في هذه الحياة مجددا أغلوطة السؤال

الحمقى وحدهم و المجانين و المعتوهين من يقوم بدراسة الأساطير، دوار منح للبشرية لا طائل من ورائه،من عهد "أرسطو" "فن الشعر" إلى "بريخت" "فن الفكر" و لكنه المصل الزعاف الذي لابد منه للتخلص من داء العصر القنوط ـ اليأس ـ التفكك ـ الملل ـ الإحباط و اللامعقول،و بعد لم تعد الأدوية المهدئة المنومة بالناجعة، وبعد أن تحطم جهاز المناعة في كل الأجناس الأدبية و الإنسانية العلمية،و تسلل المرض "مرض الأدب ، مرض البشر من حروب ومجاعة وفقر و حرمان و تهميش ،ومرض العلم في انفجار المعلومات و انشطار الذرة والحضارة الرقمية المتوحشة الفاحشة" إلى الإنسان الفنان و الأديب و المثقف.
و لم يعد أمامه إلا الورع والدعاء و التثبت بعلاج كاذب ،لعله يحصل على شيء مجدي، ذات يوم ، متمثلا في الأسطورة،أن أقصى غاية من دراستها حتى اليوم، يكمن في توظيفها كوسيلة أدبية، و ليست غاية في حد ذاتها تحت شعار: المتعة أولا و آخرا.
وها أحد المغامرين يجيب بعد جهـد جهيد عن السـؤال الخاطئ:بأنه يعرف جيدا الأسطـورة ، بشرط ألا يسأله أحدا عما هي!؟ هل فهمت شيئا أخي القارئ !؟..ولا أنا! سؤال محير فعلا ،أجبر و أدهش و أقعد علماء الميثولوجيا و الاجتماع و التاريخ و الفلسفـة ،و علماء النفس و الأدبـاء
و حتى علماء الفيزياء و الكيمياء و الطب عن التفكير، يستطرد هذا المغامر المملوء بفقاقيع الادعاء على أنه يجيب عن الأغلوطة : بشرط ألا يسأله أحدا ،و إذا ما سئل و أجبر و أراد الجواب سوف يعتريه التلكؤ و التجشؤ هل فهمت شيئا!؟.. لا أنا!الأمر يزاد إبهام على إبهام ،وغموضا على غموض، و خاصة عندما يزيد "فولتير" الطين بلة بقوله: إنما يقوم بدراسة الأساطير الحمقى، إلا أن هؤلاء الحمقى والمهرجين والمعتوهين هم وحدهم الذين علمونا جميعا و بإخلاص كيف نجتاز حبل السيرك الخرافي هذا ،الممتد من أقصى الأدب إلى أقصـى العلوم مستعينيـن بعصا الاتـزان السحري و بسلام ، حتى لا تدق أعناقنا ، و يوطأ على أعتاقنا بميسم التفتت واللا أدري!؟
وبالتالي نتخلص من ثقل الأسطورة ، إن لم نقدر على تقييمه و تعديله ،هي نفسها الأسطورة مصدر العلاج و الشفاء نفسيا و اجتماعيا لنا جميعا، بعد أن كانت مصدرا للشقاء و التعاسة .
فهي تفسر للكائن البشري ما يجري في لا وعيه وما يبقيه متمسكا بها، إنها كاشفة جيدة لكذب وزيف هذا العالم البغيض الذي تكتنفه الحروب و الأوبئة و النفاق و حتى الدجل بكل أنواعه ، هي رسالة مباشرة إلى الأدباء المنكودين المطحونين المنزوعي السلطة ،مهما كانت هذه السلطة لتكون لهم قوى انطلاق إلى شتى عوالم رحبة مكرمين معززين، كما يجب عليهم أن يدركوا جيدا ألا يتوقعوا النمو و الإبداع و الخلق بعيدا عن هذا الدوار الذي سمي أسطورة MYTH بل عليهم و مجبرون أن يتحملوا ما علق بها من أوزار مادية و معنوية و سخافات مختلفة خارجة عن القانون و الشرع و الأعراف ، وكذا سفورها الفاحش و سفرها المتوحش ، وأن يعملوا موازين لها و أن ينموا باتجاهها، وأن لا يبدوا ما يقلقها، لما يوجد من ارتباط متين ومكين ما بين الأسطورة والنص الأدبي ، وتبرز طبيعة هذا ووجوده بعدة حجج.
حجة الإحالة و المجاز
و لكن هذا الارتباط يفسر على أنه غير واضح المعالم، بحيث أن أحدهما صار متعلقا أكثر بالواقع ،بل انتقال هذا الارتباط أدى حتى إلى الحقول و الميادين الاجتماعية إذ صاروا جميعا يستشهدون بالأسطورة كرمز لقوة و كدليل نقلي و غير عقلي لتثبيت الرأي أو القول أو الخطاب الفصل البين، علما بأنها و هم في وهم ، عالم زائف مقابل أسطورة زائفة، لا يوجد أسطورة حقيقية ليكون هناك عالما حقيقيا، هذا الارتباط غي واضح المعالم، حين راح هؤلاء البشر ينطقون الأسطورة نتيجة لعقدة خلقية غير سليمة ، وعلى أنهم مثقفون و مفكرون، و يتهمون الطرف الآخر غير معتني بها ، بأنه أمي ، ولا يدري ما يجري حوله من طقوس ، كما يفسر بعض المهتمين و المتتبعين حتى لا أقول "علماء" بأنها و الشعر شيء واحد لا انفصال بينهما، وهذه أيضا لمحة جلية من اللمحة الأصلية للنصوص الأدبية الجليلة العريقة العتيدة الإغريقية و الرومانية و الفارسية و البابلية و حتى الفرعونية ،لأن الأسطورة لم تأت في شكل إيقونة بمعبد ما أو تعويذة أو ترنيمة سحرية في حجر ما نقشا أو تمثالا ، وإنما محفوظة في شكل نص أدبي "العقد"، كعقدة "أوديب ملكا"، "كلكامش" ،"أوديب في كولونيا"، "أوريست"، و يس أيضا في الاسم ، اسم بطلها البطل أو نصف الإله، أ الإله حتى، و إنما قصة كاملة تروي حياة هذا البشر العادي الذي صادف في سبيله القضاء و القدر و اعتلى مصاف الألوهية ، و عندما اغتر بسلطته و جبروت قوته أطيح به مكلوما مفجوعا و حيدا يثير الشفقة و الرحمة في نفوس من عايشوه أو من قرأ عنه، أو من شاهده على خشبة المسرح، و لكن هذه الإطاحة ليست من أجل الإطاحة ، و إنما من أجل التطهير وقيم أخلاقية ، لكي يعي نفسه من جديد بأنه بشر عادي و لا قوة تفوق قوة الإله، وهذا الأخير هو الذي يجب أن يسود الكون بالأمس و اليوم و غدا، وهي وحدها من تثيب و تعاقب ، و هي مصدر الشقاء و السعادة ، تسعد من تشاء و تشقي من تشاء، كما يجد بعض من علماء الميثولوجيا و لا أقول الأسطورة ما هو
موجود عند "صوفوكليس"،"يوريوبيدس"، "اسخيلوس"،"ارستوفانز"،"هوميروس"،"فرجيل"، و "هزيود" ما هو إلا أدب صنع من أسطورة لشيء يظهر بشكله الثابت و المقنن"في يوم واحد و في مكان واحد يتم فعل واحد"،لذا يشكك التنويريون و الحداثيون في إبداع هؤلاء الأسلاف ،إذ يستحيل أن يكون شخصا واحدا ، وبمفرده و في حقبة زمنية معينة و محدودة العمر قد أبدع مثلا "الإلياذة" أو "الانياذة" أو"الكترا"، أو "الضفادع" أو "بريثموس سجينا" أو "فيلوكتيت"، و حجتهم بأن المبدع القديم الذي ينتمي إلى ما قبل الميلاد كان ملهما و غرما و مستهويا بالإضافات،و أيضا لأن عمر هذا المبدع في الحياة قصير، بينما عمر هذه الأساطير كان بمئات السنين آنذاك ناهيك عن عمرها في هذا العصر،ثم يقول هؤلاء التنويريون هكذا تكون الملامح رحم الأساطير التي تعد بآلاف السنين و إلا لا تكون ، ثم حتى أن الأديب الحديث ينظر إلى الأسطورة من أنها إنتاج إبداعي مجهول الهوية والملكية وخيالية و الاستعارة هي الميدان المشترك ما بين الأسطورة و النص الأدبي على رغم اختلافهما، من حيث التكوين البنائي أو السردي .
وكما أن الأدب حملته قصة قصيرة ، وكل كلمة فيه تخفي قصيدة متجمدة ،و من هنا جاءت الأسطورة كعنصر مهم في بناء الأدب ، بل في إنقاذ النص الأدبي الحديث مما لق به من أوحال الحداثة المادية الرقمية ، وحتى أنها مكنت الأديب الحداثي ، التي ضاقت بمخيلته و بملكته الإبداعية السبل من ما سئل لماذا تكتبون الغموض و اللاأدري ، أجاب أعطونا عالما واضحا صريحا قادرا على أن يفهم و يفهم، وهكذا لأن الأسطورة متحولة صارت والأدب شيء واحد .
حجة الاستعارة
هذا ، وقد يشتركان و يتفقان من جديد بفضل ما أوتيا من قوى طبيعية و غير طبيعية خارقة للعادة آسرة ساحرة مؤثرة في الشيء "العقل و النقل" بطولات ـ أحوال طبيعية ـ قيم وحتى في الشخص الذي يملكها أي أن الأسطورة تصير أدبا يلون الطبيعي بفعالية ما هو خارق للطبيعي، رمز المدهش و الهائل "قضاء و قدر ـ تكفير وتطهيرموجود عند "صوفوكليس"،"يوريوبيدس"، وكما تحيا الأسطورة بالاستعارة التي يمكن إيصالها بالرموز اللفظية لأي لغة "مرض اللغة" ، أي أن أغلب الأبطال و أنصاف الآلهة والآلهة ما هي إلا أسماء شاعرية سمح لها أن تتخذ شيئا فشيئا و يوما بعد يوم ، و عن طريق تكرار الحوادث مظهر شخصيات مقدمة لم تخطر ببال مبدعيها الأصليين مطلقا، و لذا لا غرو إن صار المثقف و المفكر و السياسي يستشهد في مقالاته و أعماله و خطبة بأبطال عمل القدامى عوضا عن الاستدلال بأسماء من أبدعهم أول مرة يستشهدون على سبيل المثال بهاملت "إما أن تكون أو لا تكون.." عوضا عن تشكسبير و بأقوال أوديب و ترسياس عوضا عن سوفوكليس، عن أخيل و انياد وأودسيوس عوضا عن فرجيل وهوميروس، و كأن هؤلاء الأبطال الأساطير صاروا منا و نحن منهم، يسمعونا كما يمكن أن نسمعهم، ينظرون إلينا كما يمكن أن نطلع عليهم، أساطير يمكن أن نشتكي لها و نبكي لها، فتحس و تشعر ما يجوب بخاطرنا، عوضا عن أساطير اليوم الذين لا ينظرون و لا يسمعون و لا يشعرون ، و لو أن هذه الأساطير أحياء على أوراق فقط، فمن هو يا ترى الحي والميت أساطير اليوم أو الأساطير التي خلت منذ آلاف السنين!؟
فلا يزال أنين " انتجون" و أوجاع "الكترا" و الظلم المسلط على "فيلوكتيت" يلاحقنا و يؤرقنا، بل و يطالبنا بالانتقام، ولكن ضد ماذا !؟ ضد ظلم و جور المستدمر و المستعمر أيا كان ومهما كانت طبيعته ، وضد الحاكم المستبد الغاشم المتسلط ضد الحرية و الديمقراطية مهما كانت و في أي مكان و في أي زمان، بل أن الأساطير القديمة تتألم أكثر عندما نتألم، و تسعد أكثر عندما نسعد، و لم يتوانوا في الدفاع عنا طالما نقرأ عنهم و نتتبع أعمالهم و أفعالهم عبر المسارح العالمية ، كل منا عليه أن يفهم الأساطير و يوظفها بطريقته الخاصة، حسب نوع الحدث أن يبعث بها إلى واقعه اليومي المعاش ، لكي تبعث به نحو الحرية و الانعتاق ما خاب من قرأ و فهم الأسطورة بشرط ألا تسأل أحدا عما هي!
إنه انفعالات هذا العصر الأكثر عقدا و تعقيدا ، إلا أن الشعر لا يزال يحن و يحيا و يقوم بفضل لغته الخاصة "الايكولاليا" Echolalia قديما و "السانستاسيا" Senstassias حديثا، لغة الاتصال بين ما يمكن إدراكه و ما لا يمكن إدراكه ، وفي الوعي و اللاوعي أيضا، ومن هنا يجد البعض بأن الأساطير جميعها خارج نطاق الأدب، وليست نصا أدبيا، بحجة أن الأسطورة ذو نهاية مفتوحة "على المكان والزمان و الحدث"مما أعطى لها عدة تأويلات و تفسيرات و قراءات سوسيلوجية، نفسية كلينيكية وحتى علمية ،وعدة إسقاطات حسب كل عصر و كل زمان، و كان هذا توظيفا عندما وظف "فريود" الأسطورة لوظائف نفسية غريزية جسدية أنثوية و ذكورية و"سيزيف" مثلا لا يزال يرفع الحجر إلى أعلى عودا على بدء ، كرمز للتثبيت بالحياة إلى آخر لحظة من حياة البشر ، و لو بأمل ضعيف و حتى "شمشون" القاضي العبري الأسطوري الإسرائيلي قديما صار يمثل"شارون" حديثا، بينما البنت الفلسطينية "دليلة" التي قصت شعره الطويل تمثل القضية الفلسطينية ،و "بروميثوس" جد البشرية في الأسطورة الإغريقية و أهب النار للبشرية وذاك
الذي قدم كبده تنهش منه وحش الطير ليلا ليتجدد نهارا، ماهو إلا الكاتب أو المناضل أو المكافح أو المجاهد الذي يقدم نفسه قربانا من أجل غايات نبيلة وطنية أو قومية ، وبالمثل على أسطورة "أدو نيس" البابلية و هلم جرا و نفهم من هذا أيضا بأن الإنتاج الأدبي ذو نهاية مغلقة ، كما أن لا يمكن الإضافة على الأسطورة ، في حين يحترم المقام للقصيدة أو المسرحية ، كما أعطي وفق هذا الطرح قولا و تعريفا خاطئا للمأساة و الملهاة حين راح البعض يفرق بين التراجيديا و الكوميديا على أساس النظر إلى نهايتها ، فإذا كانت النهاية سعيدة هي ملهاة /كوميدية، و إذا كانت النهاية شقاء و سعادة فهي تراجيدية /مأساة ، إذن من هنا أوجب ووفق هذا التباين من رأي توافقي ينص على أن مفر و لا غنى عن الأسطورة في الأدب ، مما يوجد فيها من جنين للملحمة و للقصة و التراجيديا المستقبلية /الحديثة وما بعد الحداثة ،أي الرحم الذي يخرج منه الأدب الحديث
التطهير الحديث الذي يخلصنا من أدران تاريخيا و سيكولوجيا ، ومن حيث الأسطورة هي ميراث الفنون جميعها.
حجة الإيحاء
المتتبع للأجناس الأدبية وتطورها يمكن أن يعترف مكرها لا بطل ،وعلى مضض بأن الأدب جزء من الأسطورة ، بالطبع ليست كل أسطورة المتمثل في " العقد" و على أساس الأسطورة اسم مجرد، جامد، أيقونة و لكنها خارج الواجهات التي تزين صالونات المعابد أو الكنائس ، و حتى خارج التاريخ و الشعر و الفلسفة ، إن هي لم تستعين بنص عمود فقري متين يقوم خلفها و يحفظها من عظال المتاحف ، بمعنى لا قيمة للأسطورة إذا لم يكن لها سيرة ذاتية أو سرد ،أي سرد حيوي نشط يعيدها للحياة مجددا أو يضمن لها الاستمرارية و الخلود ، فجميع الفنون كانت عند "أرسطو" خيالا يعتمد على ما يسمى بالقدرة الشعرية الخيالية ، التي تمثل في اختيار جوانب الفعل المثير المركز، و التي توحي إلى المغزى العظيم المملوء بالمعاني وتأتي الأسطورة على هذه الوتيرة بشكلها الجمعي "الجماعة " و ليست فردية "الفرد" انفرادية من إنتاج جماعي و ليست من مخيلة الفرد الصرفة، بمعنى أن الفرد لا يستطيع أن يستطيع أن يصنع أو يبدع أسطورة بمفرده وحتى أن وظفها فالفضل ليس له و إنما يعود لها و ما يقوم به الفرد عموما من أعمال تخيلية يمثل عملا رمزيا إيحائيا ، يقترب من الأسطورة أو يكون شبيها لها ، و من حيث تعبير عن حالة عامة ، ولكن الأسطورة قطعة من حياة الروح ، تفكير المجتمع الحلمي،مثلما كان لا يزال الحلم أسطورة الفرد ، كليهما أي الحلم و الأسطورة يضيف أو يزيد على الإبداع و الخلق ليقتربا أكثر من أن يبطلا عمل العقل لتحرير الخيال و الملكة الخلاقة ، من مكابح و عوائق و تجميد حركة هذا العالم كما أن الرغبة المزدوجة هذه تؤدي إلى تنشيط هذا الواقع المعقد و تفعيله إلى حد غير محتمل ، و الاكتفاء منه بالجوانب الجوهرية ،وكذا الرغبة في إبراز ما يجمع بين هذه الروابط الإنسانية الأولية لا المادية منها، هذه الازدواجية الخطرة وحدها التي تقود العالم إلى ظهور و وجوب الأسطورة في الفن عموما،

مستترة و متوارية معنى حقيقيا ، بل عدة معاني تحت معناها الظاهر "سلطة الإيحاء " جوهره الكلمة التي كانت في البدء.
و إن لم تكن فالفكرة أو الفعل ، و إذا كانت الكلمة لا مفر لها من معايشة ومسالمة الأسطورة ، فإنها لا تقل عن مساهمة الأفكار بالإيحاء بها، و أدى هذا إلى تفوق الكلمة عن الفكرة ، ولذا صار لابد من الفلسفة كحل وسط وكمكبح ضد افتتان عقولنا بسحر و سطوة و سيطرة الكلمات ، وتسير الأسطورة عندئذ حالة من الافتتان هو وحده الذي يضمن لنا العودة إلى صبانا نمشي على أربع ليس في أول النهار فقط كما تقول أسطورة أوديب، و لكن في وسط النهار و عند آخر النهار أيضا ، أطفال أبرياء لايقاس علينا،نعيش باللعب في وسط أكوان وعوالم من الخيالات الخصبة الخلاقة،معنى هذا أن الكلمة هي الحقيقة لا الأشياء التي تصفها ، فأوراق ألآس و الغار التي كانت توضع على الميت لاتشير إلى الميت بعينه وإنما إلى عظمته .
حجة المعرفة
في الأسطورة ، يجب أن تنكر بأنك تعرف شيئا عنها، لكي تمكنك من الاطلاع بجزء يسير على نفسها، و إلا ستظل تراوح مكانك إلى يوم الدين، هذا من جهة،ومن جهة أخرى إذا كان التنويريون قد اتفقوا على أن الأسطورة لا تمنح أحدا شيئا، لغاية في نفسها اللغوي و الاصطلاحي ،و لتجعلنا نتثبت بها أكثر دون أن نعرف لماذا! سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا و أدبيا .
و مع هذا فإنها تسعى لتحقيق نمط أولي، تنعرف من خلالها مجددا ودائما إلى طفولتنا، وحتى كلمة أرسطو التي يكون قد التقطها من معبد"دلف" باليونان القديمة "أعرف نفسك" فإنها تشير بمعناها الساذج إلى ضرورة أن يعود المرء إلى ذاته الطفولية و اكتشافها من جديد، و تصير عندئذ تصرفاتنا الطائشة أمام الفرد "الحلم" و أمام الجماعة "الأسطورة" أبرياء و لم يفرق بيننا في المضاجع بين ما يراه المبدع من حلم ورؤى في منامه و ما يراه في الواقع ، و ما بين أبطاله و شخوصه التي يخلقها في رؤاه وما يأخذها من الواقع،بعد أن يكون قد قومها مما علق من أوحال
وهكذا يتسنى للخلق معرفة الطفل حين كان و سيظل أبا للإنسان،لذا يصبح إبداع قصيدة أولوحة تشكيلية أو رواية أو مسرحية أو قصة قصيرة أو معزوفة موسيقية نوعا من إعادة تنسيق الكلمات، ووضعها بشكل غير مألوف لكي تقدم وجودها و ألوان مختلفة من أسطورتها، إذن الكلمات أساطير ،لا تفهم معانيها العادية ، إنها تعطي معان أخرى للجبل ، حين تصير حجارته و صخوره بمعنى عظامه،و شلاله بمعنى أشعاره ،و غطاءه النباتي و غاباته بكسائه ، إنها معرفة جديدة و جديدة لنتعرف على الطبيعة وما يحيط بنا، كالشعر في نظر "رامبو" هو طريقة معرفة بالمعنى العادي للمعرفة،بل هي آخر الطرق التي بقيت للسياسيين و للأدباء و المثقفين كي يتعرفوا إلى الأساطير الإنسانية،وتتعرف عنهم الأساطير بدورها من قال أنها أساطير أولين ولت وأدبرت وانتهى أمرها ؟! إنها لم تبرحنا من عصر ما قبل الميلاد إلى يومنا هذا بل و ستظل إلى يوم يبعثون.
ومع هذا كله هل فهمت صديقي القارئ أي معنى يقربك من عوالم الأساطير ، و يجعلك تفهم سر وجودها في هذا الكون، الذي أوشك أن يصير في حد ذاته أسطورة !؟ ...ولا أنا، لا أقصد المعنى اللغوي و الاصطلاحي المتعلق بفقه اللغة، و إنما المعنى العميق المتعلق بمرض اللغة، سذاجة البداية، لغة الكلمات الأولى للرموز و الدلالات البدائية ، بل هي مطلب كل جيل ، وكل عصر أن يكتشفها من جديد بنفسه ،إنها نظرة مباشرة لهذا العالم، و هي اللمحة الأصلية للنظرة الأولى ، إنها العالم بأسره في صورته الجوهرية التي لا تقبل التفتت أو التفكك، إذن ما يبقى إلا أن أقول على مضض بأن الأسطورة نص أدبي مختصر ، والأدب أسطورة مطولة لما يحتويه لأحدى خواص الأساطير "العقدة" و يكون هذا الارتباط أكثر إذا ما وصل النص الأدبي إلى الضيق بذات نفسه ،و إلى المخيلة الإبداعية و إلى تراجع تدفق ينابيـع الطاقة الشعريـة الإنسانية ، فهـل فعلا الأسطورة نص أدبي!؟ ثم ما هي الأسطورة عندئذ !؟
بقلم الأديب :العقيد بن دحو
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق