]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

يد عاملة

بواسطة: محمد الذهبي  |  بتاريخ: 2012-05-02 ، الوقت: 05:29:49
  • تقييم المقالة:

 

 

 

هواء في شبك

( يد عاملة )

جاء في كتاب افواه الزمن لادواردو غاليانو، وتحت عنوان يد عاملة، ان محمد اشرف لايذهب الى المدرسة، منذ طلوع الشمس الى ان يطل القمر، يقطع، ويعيد التقطيع، ويثقب، ويركب ويخيط كرات القدم، تخرج متدحرجة من قرية عمر كوت الباكستانية، الى ستادات العالم، ومحمد عمره احدى عشرة سنة، وهو يفعل هذا منذ الخامسة من عمره، ولو كان محمد يعرف القراءة، والقراءة بالانكليزية، لاستطاع فهم الكتابة التي يلصقها على كل كرة ينجزها: هذه الكرة لم تصنع للاطفال.

مر امس عيد العمال العالمي، الذي يصادف في الاول من ايار، او يوم العمال العالمي، الذي استطاع فيه العمال في العالم تقليل ساعات العمل الى 8 ساعات، وعلى هذا الاساس بدأت الاحتفالات في مثل هذا اليوم من كل عام، لاستذكار شهداء العمال الذين انتصرت دماؤهم، على سوط ومقصلة رؤوس الاموال والملاكين، وفي العراق بالذات ارتبط هذا اليوم بذاكرتنا مذ كنا اطفالا، حيث تستعرض الشركات والمعامل، بمنجزاتها السنوية، امام لافتات الطبقة العاملة وشعاراتها، وجوه العمال المليئة بالاصرار على الانتاج، كانت تتحدى تقلقل الاقتصاد وتعتمد على قوتها في ارغام اصحاب الشركات والملاكين على الاحتفال معها، واضرابات العمال في هذا اليوم كثيرة وتستعصي على العد، حيث تبدأ بعمال السكائر، ولاتنتهي بعمال شركات النفط، ولان الشيء بالشيء يذكر، فان هذا اليوم او العيد اصبح الآن بلا طعم في العراق ، لسبب بسيط، ان شريحة العمال والكادحين بدأت تنقرض في هذا البلد، وهذا متولد من الاقتصاديات الطارئة التي يتخذها العراق في تصريف امور الناس، انه يعتمد النفط كمصدر اوحد للثروة، وربما الضرائب بعض الشيء، مما يثقل كاهل المواطن البسيط، العمال هم عصب المجتمع، والمجتمع الخالي من الايدي العاملة، مجتمع كسيح يعتمد ان يلبس، ويأكل ويشرب على الاخرين المنتجين في المجتمعات الاخرى، ولا اعرف مجتمعا لاينتج الملابس الداخلية التي يستر بواسطتها عورات الافراد، بدءا من الانسان القديم وحتى ابسط حضارة وجدت على الارض، لقد شهدت العجائز وهن يجلسن في ابواب الدور ، ليبدأن الغزل امام عيون المارة، وبعد اسبوع او شهر يتحول الغزل الى بساط جميل، لقد كنا نجلب القماش لنخيطه سراويل لنا، وربما تتم الخياطة يدويا، لكن الممض في الامر بدأنا نوحي للعالم اننا شعب من الكسالى، نستورد الابريق، والمبردة، والثلاجة، وقلم الكتابة، والدفتر، والسيارة، والسؤال البسيط الذي نسأل: ماذا نصنع نحن؟ وسيكون الجواب لاشيء، نحن نحمل النفط اكسيرا للحياة، ولانفكر ان هذا السائل قابل للنفاد، وستأتي السنوات لتثبت ان النفط ليس عنصرا خالدا في الارض العراقية، او في غيرها، وعلينا ايجاد البديل عاجلا ام آجلا، لقد درج الانسان ومنذ بدء الخليقة، في الاعتماد على نفسه في توفير حاجاته الرئيسة، ذهب الى الصيد فابتكر وسائله لهذا الغرض، وصاد الحيوانات فحول جلودها الى ثياب تقيه تقلبات الجو، الى ان انتظم في مجموعات، لتقنن العملية وتبرمج وفق تكاثره وتعدد حاجاته.

لم يكن الباكستاني محمد اشرف يعلم ان مايصنعه من كرات، هي للكبار فقط، ونحن في العراق، لانعلم كم طفل صيني يصنع لنا حاجاتنا الضرورية، واجهزتنا الدقيقة، وشمعات الانارة، لكننا نعلم فقط ان كل يد عاملة تستحق التبجيل والتقبيل، وغير هذه الايدي من المترهلين والعاطلين، لاتستحق سوى الغل، لقد نشأت في العراق مهن اعتمدت تقلبات السوق، واثرى الكثيرون من خلالها، بلا عمل يذكر، اناس عاطلون، يمتلكون رساميل اعتمدوها في التحصيل والمضاربة، وربما بعض الاحيان الخداع، لم تميزهم سواعد مفتولة ولا منتجات جيدة، سواعد رافقت المطرقة، والفت صوت ايقاعات الحديد، لتتحول بالنهاية الى منجز كبير يبقى لسنين، المهم اننا ملوك المهرجانات، والصرف والاستهلاك، وتراثنا ينبىء اننا امة اعتمدت الكلمات فقط دون العمل، ولذا ترانا نكثر من ذكر القيم والفضائل وننسى ان العمل هو سيد كل شيء، عسى ان يكون محمد اشرف انموذجا لنا صغارا وكبارا، لنعود الى العمل علنا نكتفي بعض الشيء، ولانستورد كل شيء.

عبد الله السكوتي

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق