]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

قـصــة وتعـليــق

بواسطة: عيد الخطيب  |  بتاريخ: 2012-05-02 ، الوقت: 01:23:36
  • تقييم المقالة:

 

قـصــة وتعـليــق ربما تكون هناك مسألة ما ، حسمتها آية قرآنية ، أو حسمها حديث نبوي شريف ، وتكون هناك قصة عن أحد السلف اتخذ فيها موقفا يخالف تماما مراد الآية أو الحديث في هذه المسألة ، ومع ذلك نجد أن كثيرا من المسلمين يعرفون هذه القصة ويحفظونها ويستشهدون بها ، دون أدنى دراية عن الحكم القرآني أو الحكم النبوي ، وإن جئت توضح لهم أن هذا الموقف الذي اتخذه صاحب القصة يخالف المفهوم القرآني أو مفهوم الحديث النبوي ، وأن هذا الموقف خاص به    فقط ، ربما دفعته ظروف وأحوال معينة نحو  ذلك ، سخروا منك ، أو اتهموك بالفسق ومخالفة السلف بل وأولوا الآية أو الحديث بما يتناسب مع  تصرف صاحب هذا الموقف . ولنأخذ نموذجا ، قصة شهيرة جدا ، تحكي عن أحد شباب السلف ، الذي خرج من بيته مسافرا لطلب العلم ، وقد أوصته أمه بالصدق في كل الظروف والأحوال ، فعاهدها على ذلك ، وخرج من بيته  وقد ربط كيس النقود في قدمه . وفى الطريق خرج قطاع الطرق على القافلة التي هو فيها ،  فسرقوا جميع ما في القافلة من أموال ومتاع ، وفتشوا ذلك الشاب فلم يجدوا معه شيئا ، فسأله اللصوص ، أليس معك مال ؟ فأخبرهم الشاب أن معه مال كثير فظنوا أنه   يهزأ ، لأنهم فتشوه فلم يجدوا معه شيئا ، لكنه أخبرهم أن النقود مربوطة في قدمه . فلما رأوا المال مربوطا في قدمه فعلا تعجبوا منه ، لأنه كان باستطاعته أن ينكر ولا يدلهم على المال ، وينقذ نفسه من نهبه وسلبه . فسأله أميرهم ، ما حملك على هذا ؟ فقال الشاب : إن أمي أوصتني بالصدق فعاهدتها على ذلك ، وما كنت لأخالف عهد أمي ، فصاح أميرهم باكيا : أنت تخاف أن تخون عهد أمك وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله ، ثم أمر الأمير برد ما أخذوه من القافلة ، وقال للشاب : أنا تائب لله على يديك . فقال اللصوص لأميرهم : أنت كبيرنا في قطع الطريق وأنت اليوم كبيرنا في التوبة فتابوا جميعا ببركة الصدق . وهذه القصة على الرغم من سذاجتها إلا أن الدعاة والخطباء لا يملون من تكرارها . والسذاجة التي في هذه القصة لا يقرها ديننا الحنيف ولا يقرها نبينا الشجاع صلى الله عليه وسلم . إنه لا يقر عاقل ـ فضلا عن دين أو تشريع ـ مساعدة المعتدين ومغتصبي الحقوق لدرجة أن يتطوع المعتدى عليه بدون ضغط أو إكراه ويبادر ليدل المعتدى الغاصب على غنيمته .       أي دين هذا ؟! إن أبسط شيء كان من الواجب على هذا الشاب أن يفعله هو أن ينكر أن معه مال ، وإنكاره في هذه الحالة واجب شرعي عليه وذلك حفاظا على حقه أولا، ومن باب عدم مساعدة الظالم على ظلمه ثانيا . وهذه القصة التي يأخذ الناس منها فقه   الحياة ، وفقه التعامل مع الغير ، تناقض تماما فقه الحياة الذي يجب أن نستقيه من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة . إن القرآن والسنة علمانا قاعدة مهمة في فقه الحياة هي ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) ، أي إذا ألجأتني الظروف أو اضطرتني لأن أرتكب أمرا مخالفا للشرع فلا مانع من ذلك ما دام أنه سيدفع ضررا كبيرا ، ويحقق مصلحة . من هذا المنطلق نقول إنه من الواجب على من وقع تحت يد ظالم ، أو معتد أو غاصب أن يكذب عليه ويضلله إذا كان ذلك سيمنع جرمه أو يحد منه على الأقل . فالكذب وتضليل مثل هؤلاء واجب شرعي ، أما أن أكون صادقا مع غاصب أو معتد دون أن يكرهني على ذلك ، فهذه عين المساعدة لهم على اغتصاب الحقوق ، وانتهاك الأعراض ، وأكل أموال الناس بالباطل وفى هذه الحالة يصبح الصدق أقرب إلى الخيانة من أي شيء آخر ، وما حدث في القصة السالفة مخالف تماما لما يجب أن نستقيه من القرآن والسنة . وكان من الواجب على الخطباء والدعاة ، ألا يجعلوا تصرف هذا الشاب في هذا الموقف نموذجا يحتذى به ، ويضرب به المثل في الصدق ، ويذكرونه أمام الناس في كل مرة يتحدثون فيها عن فضيلة الصدق ليتعلم الناس من قصةٍ مثل هذه فقه الحياة . وأسلوب الدعاة بهذا الشكل دليل على السذاجة التي يتسم بها خطابهم ، كما أنه دليل على الجهل بأحكام القرآن والسنة ، والمفاهيم والمبادئ العامة للإسلام . لذلك أقول إنه من الواجب على الدعاة والخطباء أن يسألوا أنفسهم من أي مصدر يأخذون فقه الحياة ويتعلمونه ويفهمونه كي يبلغوه للناس ؟ هل من القرآن والسنة ؟  أم من أقوال ومواقف وقصص عن رجال مهما كان قدرهم ، ومهما علت مكانتهم ، فهم في النهاية بشر ليسوا بمشرعين!. فمهما كانت مكانة السلف الصالح ، ومهما علا قدرهم ، إلا أن أقوالهم ومواقفهم يضرب بها عرض الحائط عندما تتعارض مع القرآن والسنة ، وليس لنا حينئذ ألا نأخذ ما استقيناه من أحكام القرآن والسنة الصحيحة ، مع مراعاة الواقع الذي نعيشه نحن وليس الواقع الذي يعيشه السلف ، وذلك في حدود ما يسرته لنا الشريعة السمحة . أما أن نقول ـ كما يقول البعض ـ نحن لسنا أفهم لكتاب الله من السلف ولسنا أفهم ولا أحرص على سنة النبي من السلف  فهذا كلام غير صحيح بالمرة . ولنعد للقصة التي ذكرناها لنسأل أليس من العجيب والغريب بل من المستفز أن يصل الأمر بالدعاة والمشايخ إلى حد من التفكير يجعلهم يضربون نموذجا للصدق بهذا التصرف الساذج الذي ذكرناه ؟ أغاب عن تفكيرهم إدراك مواطن كثيرة في القرآن والسنة تجعلهم يرفضون هذه القصة الساذجة بمجرد قراءتها شكلا وموضوعا ؟ ألم يخبرنا القرآن الكريم أن إبراهيم عليه السلام ـ وهو خليل الرحمن ـ كذب على قومه ، عندما نظر إلى النجوم وقال : إني سقيم ، حتى لا يشارك قومه أعيادهم الشركية الباطلة ، وأخبرنا القرآن أيضا أنه كذب على قومه عندما حطم الأصنام وأخبرهم بأن الأصنام حطمها كبيرهم . وورد في صحيح البخاري كما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن إبراهيم  كذب على حاكم مصر ، وقال إنَّ سارة عليها السلام ـ وهي زوجته ـ أخته ، خوفا من جبروت هذا الحاكم حيث إنهم كانوا يتركون قريب أي امرأة ما لم يكن زوجها . إن القصة التي ذكرناها عن الشاب السلفى ، وموقف سيدنا إبراهيم الذي بين أيدينا ، لأكبر دليل على أن الدعاة ينتهجون المنهج الذي أرفضه من خلال كتابي هذا وهو حفظ القصص والمواقف الخاصة بحياة السلف ، والتي تخالف في كثير من الأحيان منطق القرآن ، واستقاء فقه الحياة من هذه القصص والمواقف بدلا من القرآن و السنة . إن تصرف نبي الله إبراهيم عليه السلام مع قومه ، أو مع الحاكم الجبار ، بالكذب لدفع الظلم عن نفسه ، لدليل على أن هذا الكذب جائز ولا شيء فيه علي الإطلاق ، وإلا لو كان في الكذب على الظالمين الباغين شبهة لكان نبي الله إبراهيم عليه السلام أبعد ما يكون عنها فهو النبي المعصوم . فضلا عن ذلك أنه من فقه نبينا الشجاع  صلى الله عليه وسلم أنه إذا اعتدى علينا أحد أو طمع فينا طامع فإن انتصابنا للدفاع عن أنفسنا جهاد في سبيل الله . ففي الحديث الذي رواه مسلم جاء رجل إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : " أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ  مالي ؟ قال : لا تعطه مالك ، قال أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله ، قال : أرأيت إن قتلني ؟  قال : فأنت شهيد ، قال أرأيت إن قتلته ؟ قال هو في النار " . فكيف يأمرني النبي بأن أقاتل من جاء يغتصب مالي ، وأنا أتطوع دون إكراه من الغاصب لأدله على مالي بدعوى أنى مسلم والمسلم لا يكذب إن هذا لجهل مبين . إن أبسط شيء أفعله مع الغاصب إن استيقنت من قدرته على قتلى أو عجزي عن رده أن أضلله ، فمن عزة المؤمن ألا يكون مستباحا لكل طامع ، أو غرضا لكل معتد ، بل عليه أن يستميت دون نفسه ، وعرضه ، وماله ، وأهله ، وإن أريقت في ذلك دماء ، فإن هذا رخيص لصيانة الشرف والعرض . والحقيقة إنني لا ألوم على صاحب هذه القصة مطلقا ، فكما قلت من قبل إن السلف لهم ظروفهم وأحوالهم ومواقفهم الخاصة التي لا تعبر عن تشريع أو دين ، لكن أستغرب من موقف هؤلاء الذين لا يحكمون عقولهم فيما يقرأون وفيما يعرضونه على الناس ، ويمجدون كل قديم لمجرد أنه قديم حتى وإن خالف هذا القديم نصوص القرآن والسنة . وهذه الحالة من الاستغراب تنتابني عند قراءة الكثير من القصص والمواقف التي ترد لنا عن السلف ، وذلك لأن معظم هذه القصص تحتوى على تناقضات غريبة . أذكر على سبيل المثال قصة كنت ولا زلت أسمعها إلى الآن ، قصة من القصص الشهيرة القوية التي ترد على لسان الخطباء ، عندما يكون موضوع الخطبة أو المحاضرة مثلا    ( حق المسلم على المسلم ) ، ويذكر الشيخ من ضمن الحقوق أنه من الواجب على المسلم أن يشمت أخاه ، أي يقول المسلم لأخيه المسلم يرحمكم الله إذا سمعه يعطس ، فما أن يذكر الداعية أو الخطيب هذا الحق من حقوق المسلم على المسلم إلا ووجدته يقول : وورد عن سلفنا الصالح رضي الله عنهم أن أحدهم سمع أخا له يعطس وكان واقفا على الناحية الأخرى من الشاطئ فعبر إليه خصيصا ليشمته ويقول له : يرحمكم الله  ، ثم عاد إلى مكانه . والتناقض هنا واضح ذلك أنه إذا كان الرجل وهو في مكانه على الناحية الأخرى من الشاطئ قد سمع أخاه وهو يعطس ، فما الداعي للعبور إليه مادام أنه قد سمع عطسه ؟ ، فبالعقل كان يستطيع أن يقول له يرحمكم الله من مكانه دون أن يجهد نفسه ويعبر خصيصا إليه ، والشيء العجيب الذي لا أجد له تفسيرا هو ذلك الإصرار الغريب من الدعاة والخطباء على تكرار هذه القصة - وغيرها من القصص التي على هذا الغرار - برغم التناقض الواضح  الذي بيناه . وبين يدي الآن وأنا أسطر هذه الكلمات كتاب من مجلدين يحتوى على ما يقرب من ألفى قصة وموقف عن السلف ، وقد اخترت هذا الكتاب تحديدا لأن أغلب قصصه ومواقفه يرددها الخطباء والدعاة ، وترد على ألسنتهم مرارا و تكرارا  فضلا عن أن مؤلف هذا الكتاب من المؤلفين الذين يتجنبون الروايات الضعيفة  كما هو معروف عنه ، ومع ذلك نجد أن معظم هذه القصص والمواقف فيها من التناقض والغرابة ما فيها لدرجة تشعرك بأن هذه القصص موضوعة أو بلفظ آخر أدق إن صح " مفبركة "  . فإذا كان هذا الشعور ينتاب من يقرأ قصص يستشعر أنها أصح القصص عن السلف ، فما بالك بكتب لا حصر لها مليئة بقصص واهية ساقطة ينقلها جمع كبير جدا من الخطباء والدعاة إلى الناس ، ولا يهمهم أن يتحققوا من صحة أو ضعف ما يقرأون أو يقولون ، فلنتخيل إذا مدى تدنى ثقافة المسلمين ، وكيف أثرت هذه القصص على عقول المسلمين تأثيرا سلبيا ، نظرا لما تحمله من سذاجة لا مثيل لها على الإطلاق . وأدعوكم الآن إلى قراءة قصة غريبة عجيبة هي من القصص التي جرت كثيرا جدا على ألسنة الخطباء لأنها متعلقة بالقلب واللسان ، وما أكثر الخطب التي تتحدث عن أمراض القلوب وآفات اللسان. " كان لقمان عبدا حبشيا نجارا ، فأمره سيده أن يذبح شاة ، فقال : ائتني بأطيب مضغتين فيها ، فأتاه باللسان والقلب ، ثم مكث أياما ،   فقال : اذبح شاة ، فقال : ائتني بأخبث مضغتين فيها ، فقدم له اللسان والقلب ، فقال له سيده : قلت لك حين ذبحت الأولى : ائتني بأطيب مضغتين فيها ، فأتيتني باللسان والقلب ، ثم قلت لك حين ذبحت الأخرى : ائتني بأخبث مضغتين فيها فأتيتني باللسان والقلب ، فقال لسيده : إنه لا أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا " هذه القصة سمعتها كثيرا من بعض الخطباء وآخر مرة سمعتها من خطيب رأيت وسمعت عجبا ، فلقد كان الخطيب كأنه سيفجر قنبلة من على المنبر ، يتشنج ويعلو بصوته ويخفضه وما أن انتهى من القصة إذ بي أسمع من بعض المصلين ردود أفعال غريبة تنم عن فرط إعجابهم بما سمعوا ، مع أنه كلام غاية في السذاجة . ونظرا لأن القصة ساذجة لأبعد الحدود ، فإني أشعر أن مجرد التعليق عليها جريمة .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق