]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في المعتقل ... ( قصة قصيرة)

بواسطة: amani  |  بتاريخ: 2012-05-01 ، الوقت: 09:29:17
  • تقييم المقالة:

 


قال أحد الشباب المعتقلين وعلى وجهه ظهرت براءة طفولية رائعة .. عندما نتذكر وتزداد آهاتنا ويشتد بنا الألم نمزق أنفسنا وتبقى الذكرى.. كان يتذكر طفله الذي لم يره وزوجته التي تركها وهي عروس .. وتذكر والدته المسكينة التي امتقع وجهها بالأسى عندما قادوه إلى المعتقل .. وأخيرا تذكر أخاه الذي حمله بين ذراعيه وهو مضرج بالدماء .. أثناء شعوره باللذة والألم من ذكرياته المريرة ... دخل أحد الجنود وقد ناداه باسمه وأكمل كلامه بالعبرية .. ففهم الشاب كلامه وذهب معه. لكن إلى أين ؟ إلى غرفة التحقيق ! ... بل الى غرفة التعذيب. أدخله الجنود الغرفة بقسوة وهو مقيد ثم ذهبوا ....نظر إلى السلاسل والجنازير الحديدية...بعضها على الأرض وبعضها الآخر معلق بالسقف....أخذ يحلل كل شيء يراه السلاسل الطويلة للأرجل والأقل طولاً للأيدي وتلك للعنق....وفجأة دخل جنود ورجل آخر يبدو أنه قائدهم ...وعندها أجبروه الجنود على الجلوس وهو مقيد....سمع صوتاً يناديه بحقد شديد...تكلم لا تخف... ضحك الشاب بصمت ....ولماذا أخاف وقد ضاع الخوف في ظلام هذه الغرفة....ليس فيها ما يخيف ...لا شيء يدل على الموت..أأخاف العذاب ...إنهم لا يعرفون أن عذاب النفس أشد قسوة من عذاب الجسد....واستيقظ فجأة على نفس الصوت وهو يصرخ...تكلم ...ولاحظ لأول مره بأن المتكلم يتقن العربية.... قال الشاب مستنكراً ذاته ..سوف أتكلم ....ضحك الصوت الغريب...سوف يطفئ عطشه هذا الاعتراف من دماء أصدقائه وإخوانه الذين خططوا له في العملية.     وبعد برهة من الصمت الضائع في المصالح الذاتية ...صرخ الرجل مرة أخرى...تكلم ولا تضع الوقت ...أما الشاب فقد اختفى صوته...وقال فجأة اسمح لي أن أشرح سبب ضياع صوتي ...فعندما تصمت ألسنتنا ....فإن عيوننا تبقى تتكلم ولكن دون صوت، لأن الصوت عندما يبلغ درجة المعقول من الألم فإنه يمتزج بالدموع وتلك الدموع لا تحتمل حمل الصوت والألم فتسقط على الأرض وتحتمي بالتراب لعله يصرخ إذا امتصها ، ولكن التراب دائماً صامت. صرخ الجندي بغضب كبير: اخرس ..هل تريد أن تقول بأن الكلام بجوف الأرض...ومتى تتكلم الأرض؟صرخ باستهزاء.  قال الشاب متفاخراً ودون مبالاة ...عندما تلد الأرض...صرخ الجندي وقد فرغ صبره ...ماذا؟ ...ومتى تلد الأرض في رأيك أيها الغبي؟. رد الشاب وقد امتلأ ثقة بنفسه ...عندما تنتهي الحياة. غضب الجندي وقال للشاب: أنت لا تريد أن تتكلم وقام بقتله ببندقية يحملها بيده. لم يكن انتهاء حياة شخص واحد كفيلةً بأن تجبر الأرض على النطق...أجل ....لا زالوا لا يعرفون ما هو كلام الأرض ، وماذا تريد أن تحكي لهم. ذهب الجندي يحمل رشاشاً وقام بقتل جميع المعتقلين وضحك بخبث ولؤم وقال بنفسه: الآن ستلد الأرض السر...سوف نعرف كل شيء. كان هناك في المعتقل شيطان صغير يلعب بين جثث الموتى وقد أغراه منظر الدم ، ضحك بجنون مبهم وقال: الآن ستلد الأرض حجارتها التي ستكبر حتى تتكلم....إنها تتغذى من دمائكم وسوف تفضح أحزانكم ...عندها كانت تلك الوجوه النائمة مبتسمة. أثناء ذلك شبت معركة كبيرة بين جنود والحجارة.... فلم يسمعوا صوتاً للشيطان . قال الجندي متفاخراً : ما هذا ؟ حجارة ....إنها لا تخيفنا .....سوف نقتل الحياة قبل أن تنتهي ولن تلد الأرض أجنتها. في ذلك الوقت وأمام المعتقل أصبح الحجر يضحك ....وأمسى الشيطان يبكي. 

تأليف : أماني عثمان القدسي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق