]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

سر وسحر الكتابة عند نفي اللحظة

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-04-29 ، الوقت: 06:18:40
  • تقييم المقالة:

بقلم : العقيد بن دحو /ادرار/الجزائر
إ

سر و سحر الكتابة عند نفي اللحظة
لمن ...وكيف .......و لماذا؟
أنا أعرف جمهوري ،لذا أنا أكتب ما من أحد إلا و له جمهوره أعني قسما معينا من المجتمع الذي هو جزء منه شارل بيبتو /تأملات حول هذا العصر/1751.
لم تعد الكتابة الحديثة لغزا محيرا أو كتابة شفاعة ،أو تعويذة منفصلة عن المجتمع ،أو بغية التغرية أو التطهير من أدران انفعالات النفس البشرية أو قصد التخفيف من ثقل ساعات شغل يومية ،لكاتب حر مغامر "الامنتمي" وآخر كلاسيكي نمطي "منتمي" سواء كان هاويا أو محترفا أو كتاباته عبارة عن رصد وجص لمناجاة داخلية بين النفس والذات أو مونولوج خارجي بين الأنا والآحر،و إنما هي ميكانيزم ووصفة سحرية أوجبتها حاجات فيزيولوجية سيكولوجيةـ بيداغوجيةـ انثربولوجية و ديالكتيكية،محلية و عالمية و عولمية أيضا من أجل غايات نبيلة ذات أهداف عميقة الجذور، و حرفية كمحرفة الخبز تنبع من أصل متين،لا من خرعب ضعف هجين من ذات المبدع نفسه حيث سلطة الكتابة و عدالة الإبداع، إلى المحيط حيث سلطة المجتمع من عادات و تقاليد و أعراف.
كتابة غايتها الإنسان و من الإنسان ، تؤدي في النهاية إلى تقاطع و التقاء نيات الكاتب الفكري مع بيات القارئ الفكري.

اللحظة المسحورة
هي تلك الفواصل و النقاط الحبلى بالأفكار النفسية، و الكلمات السحرية المذهلة المدهشة ،التي يلتقطها الكاتب الفنان في مجرى الزمن و يحولها إلى طقس كتابة هائلة إلى الآخر...كما هي في ذاتها و في ذات الكاتب في كل مكان و في كل زمان أسلوبا و لغة ،حصافا فيما يعلم و ثقافا فيما يلفظ به صائد خوارف خلاقة.يحطها على الورق شعرا قصة،رواية مقالة أو تمثيلية و أن يسكب فيها الحياة و الحرية ويبعثها من جديد إلى الوجود في توشية صفاء النبرة المكتوبة.
و لكن بعد مرحلة شاقة من الترويض و التدريب ليعرضها فيما بعد على المحيط في شكل قضية فرضية تعبر عن مشاعر معينة يحسن بها الإنسان وكذا أن تعبر عن عواطف تشحن وتشحذ ذهنه،و بالتالي أن تعالج قضية ما.
تلك الكتابة الحديثة المنشدة الساحرة والآسرة وليدة الأفكار الجيدة في الأساليب الجيدة،و الألفاظ الجيدة في المعاني الجيدة من حيث لا ينبغي اعطاء للكلمة عمرا محددا،و لا إطارا سياسيا أو إجتماعيا ثقافيا محددا، و إنما ذاكرة مفتوحة على الحاضر،تعيد الماضي و تستشرق المستقبل، يعيد بها القارئ توازنه باتجاه تاريخه ومصيره ككل.و إذا اعتبر الأسلوب فيما مضى هو الرجل الكاتب و اللغة بطاقة هوية لمعرفة شخصية هذا الكاتب فإن الكتابة هي الحالة،و الوعاء الأسطوري الذي يصب فيه كل من الكاتب و اللغة و المحيط،ذات مكنونات خارقة ،و فعل وجداني يتجه إلى جمهور ما و لن تكون إلا إذا كانت من أجل أحد.
هذا الأحد الذي يتفهم و يعرف كاتبه بطريقة أو بأخرى بالقدر الذي يعرف الكاتب جمهوره هذا المفترض ،بغية أن تخلق اللغة حوارا يسعى لأن يؤثر و أن يتمتع و أن يهز،و يعزي و يحرر، أو حتى أن يكون مبعثا لليأس و القنوط المهم أن يكون ذو غاية و هدف شجاع ، لذا لا غرو إن جاءت مقولة شارل ببيتو 1751 في شكل نداء أو صرخة "يوريكية"، بأنه عثر على جمهوره ،و بأنه يعرفه،هذا الجمهور الافتراضي الذي تبنته الحداثة،و اعتبرته جزء لا يتجزء من الكاتب و منها ، أنه أفراحها و أقراحها جوعها و عطشها سعادتها و شقاوتها أما الكاتب هو المفوض المرافع من لدن المنكوبين و المنكودين و المعوزين،من ضمن هذا الجمهور ليس الدفاع من أجل نص قانوني مرجعي تشريعي محاكاتي و لكن بقوة و سلطان العدالة الشعرية لنص المكتوب الذي في أساسه الصدق و الواجب و الموهبة قوة يمسك بها الكاتب الحياة في اللحظات المسحورة،ويعيد توزيعها حسب قاعدة اللغة و العدالة الأسلوب فنا و صناعة هذه الكتابة التي تجسد لعبة الخليفة في هذا الكون الذي صار كتابا مفتوحا على مصراعيه و مطمع البشرية في الوصول إلى أبعد نقطة فيه،و اكتشاف ذاتها الأخرى هناك و تبعثه من جديد على الحركة و على الأمل و الطموح المتواصل الحالم بغد جميل

و لتصوير مشاهد حسية له و انتقالها إلى الحس الإنساتي الجمعي العميق و ميزان الفضل فيها أن يكون ما هو مكتوب في الطرس خيال مكنون في النفس و هي أيضا دعوة صريحة بأن تعطى للكتابة الحديثة فهما آحر يتماشى و التطور الحضاري الثقافي العلمي التقني للأمم و الشعوب.
وكذا انعكاس مباشر و فرصة متاحة لجعل اللامرئي بعد فترة كمون و تخزين و اختمار و معانات لمرحلة الانطلاق و التحرر و التوهج في شكل لفظ و معنى حسب قول الشاعر:
تزين معانيه الفاظة و الفاظة زائنات المعاني .
الكتابة و المجتمع
لم يسبق و أن منحت للكتابة كل هذه التأويلات النفسية الاجتماعية الثقافية الاقتصادية و حتى السياسية منذ ما يناهز عن أربعة عقود ونيف .منذ جول بول سارتر،إذ صارتا "لماذا ـ و لمن "واسطة وطيدة ما بين الكتابة و المجتمع .
و أصبحت علاقتهما بالفرد أساسها الحرية الإبداعية و الفكرية و علاقتهما بالمجتمع "القربى الثقافية ـ عوام ـكتاب آخرون من أجيال مختلفة"تأثر وتأثير فعل ورد فعل ،تقييم و تقويم، تطهير و تغيير حين تعمل على رفع مستوى الكاتب الإبداعي و يصير مدمنا عليها و بالوسط حين يصير مسحورا مندهشا باحثا عن "أندلسه الحديدة" فيها فمثلا حتى من دون أن ينشر الكاتب في كتاباته إلى مشكلة ما أو قضية ما بواقعة المعيشي صارت تؤول و يفك و يحل لغزها و طلاسمها و شفرتها السرية الآخر ويتفهمها و على هذا يقرر مصيره باتجاهها لأن أساسا هذه العملية متعلقة بسوسيولوجية ظاهرة ميلاد مبدع ما.
و أسباب نموه،تؤوله بعض المنظرين إلى خلل في المحيط ،و عدم توازنه فكان لزوما من جود كاتب مبدع ليعيد للمحيط توازنه فعندما يكتب الكاتب في مكان ما عن موضوع ثقافي مثلا فالخلل ثقافيا و عندما يكتب عن موضوع اقتصاديا فالخلل اقتصاديا..و هلم جرا أي أن الكتابة الحديثة صارت تقوم مقام الجواب قديما أو الرائي أو الكاهن أو "المخبر"بتصرف و بتحفظ عن الكلمة و هكذا تتكيف مع العصر أو تأخذأشكال و ألوان بإطراد،صحيح ما يفصل بيننا و بين كلمة اقرأ حوالي 1400 سنة و ما يفصلنا عن الكتابة 7000 سنة،معنى هذا بأن الكتابة سابق عن القراءة ،ولكن لن تكون ثمة كتابة إلا بالقراءة"كليلة"في حين الكتابة "بعض" ـ إلا أن هذه الأسبقية التاريخية،كان له وقعه المباشر على سائر الأجناس و المذاهب الأدبية و الفكرية الاجتماعية و حتى السياسية وعلى الإنسان أيضاً ،ولذا لا غرو إن انتقل الطابع الذي كان يميز السياسيين و المفكرين و الأدباء في فترة ما إلى ما يميز الكتابة ،فنقول هذه كتابات لائكية،وهذه وجودية، وتلك شيوعية ، ونقول أيضا :هذه كلاسكية و هذه رومانسية، وتلك سيريالية، ونقول : هذه كتابات إسلامية وهذه مسيحية و تلك بوذية ،ونقول أيضا: هذه كتابات نسائية وهذه شبابية وتلك رجالية ،وذهب بهذا الطابع الرتيب إلى حد اعتبار الكتابات عند سن 18 هي كتابات حلم ،وعن سن 20/25 هي كتابات شعر وعند سن 30/45 هي التي يجب ،ولكن الكتابة الحقة هي أكثر من هذه التقسيمات الستاتيكية، بل ،هي أكثر حتى من دورة الحياة و الميلاد،و أكثر من لعبة المجايلة في العرق و الجنس و السياسة وفي الأدب و الفكر،إلا أن غوغول الروسي يوعز الكتابة إلى عمر الشباب الحالم الشاعر المفكر، ويؤكد قوله الكاتب جابراييل فارسيا ماركيز حين قال:نحن كالببغاواة نتبكم عندما نشيخ ،وبين هذا وذاك تبقى الكتابة هي التي تحمل فوق السطور و ما بين السطور رسالة خالدة في الزمكان و تؤرخ لمرحلة معينة من حياة المجتمع ،وتوقظ ذاكرته من سباة أهل الكهف،الكتابة كذاكرة للمستقبل الجادة الواعدة المحذرة،التي تجعل مجتمعا بأكمله يعيش في خطر،و تجعله يحتاط و يقر أمن جديد تقلبات و نوبات الزمن في دورة التاريخ ،إنها غسيل أخطاء ملاءات هذا العصر،ونقاط ضعفه اللامعقوليته،وتعيد بناء قاعدة تمثاله المقدس ذرة بذرة و خلية بخلية قادرة على الانقسام و التكاثر الصبغي،حين تمسه عصا لإبداع وتحرك فيه مكنوناته الخلاقة مبكرا حيث تنبجس أمواج ألحان الوصفة سحرية و الترنيمة الخالدة من قيثارة الإنسانية الخالدة.
أسطورة الكتابة
ثم من هذا الكاتب الذي يكتب قدره عندئذ ، من هذا المصاب بفقر الدم دوما؟ هذا ما عملت عنه الكتابة في مجرى الزمن،حيث كشفت عن جنون سماوي و أرضي،عن فوضى مقرونة بنظام غير مرئي،أسطورتي برومثيوس و بروتيه، أو هي أسطورة أدونيسية نازفة الدم إلى أبد الآبدين.
إنها تشبهت لهم،حمقى هؤلاء الكتاب الذين يدعون التمكن من آلياتها ،إنها كالماء الذي فسر بعد جهد جهيد بالماء، صحيح هم يعرفونها ولكن بشرط اللا يسألوا عما هي!إنها العنصر الكوني الخامس الذي يشكل أسطورة عنصره من ضمن عناصر الكون الأساسية الماء، النار، الهواء،التراب، خداعة كالشعلة،وحتى و إن ادعواو ألقوا بأنفسهم فوقها على نحو مفاجئ و قيدوها بالموهبة و لإحتراف فإنها لا تتكلم ،وهي مقيدة تتحول بغضب إلى حريق،إلى حيوان ،إلى ثنين ،وإلى ينبوع قبل أن تذعن و تستلم إلى حاجة الكائن الإنساني الذي يلقي عليها السؤال،ومع هذا يصابون بالتلكؤ!وتبقى الكتابة عبارة عن سؤال سرمدي باتجاه التريخ و الحاضر و المستقبل دون إجابة واحدة محددة و من دون اخيارات،أو تظل عقدة أو أسطورة ،بروميثوس اليونانية جد البشرية،واهب النار للبشر، الذي ربط عند جذع شجرة تنقر و تنهش وحش اطير كبده إبان الليل ليتجدد نهارا الملك الضحاك ،المقرون بالكتابة الملكة الضحاك أيضا، معنى هذا بأن الكتاب مسوقون ليتخلوا للنار عن بعضما فيهم انقاذا للقارئ و للمجتمع،أو أنه الدرع البشري الذي يقدم دمه وماله قربانا لبني جنسه دون أن ينتظر شكورا و لا جزاء،إنه في أحسن ملامح التجلي الاستشهادي،الذي احترق عن كامله ومضى،و لكن إلى أين مضى؟!.ليجدد كبده على أوراق أخرى ،أنه الاتحاد التام مع العدم و اللامعقول،ووحده ، ووحده ،الكاتب الفنان الذي تتضخم غدته الدرقية، و تصاب الكتابة بداء توقف النمو الطولي،وعدم القدرة على المناعة و الدفاع،إنه ميزة من ميزات مرض هذا العصر أو الإتحاد خارج الذات،فالكاتب لحظة اتحاده مع الورقة والقلم هو بمثابة اتحاد مع الوحش ،أو يدق عنقه و يسحق وينهش بمخالب الوحش، والذي كان هو المسبب في خلقه عند البدء.
ولذا يأتي سؤال آخر مهم: من يكتب من !؟ فالكاتب عندما يكتب يكون رائعا و مدهشا وآسرا، وعندما يصير العكس يكون خرافة و أسطورة، معنى هذا يوجد صراع أزلي بين سلطتين سلطة الكتابة و حجتها المقاومة وعدم الاستقامة و الامتناع ، وسلطة الكاتب المبدع وحجته الموهبة و التمكن من اللغة و الصناعة،إذن ما على الكاتب الحداثي إلا أن يخرج من حلبة الصراع هذه لا غالبا و لا مغلوبا،مجردا من الإرادتين معا إرادة الوحش و إرادة الإنسان إلى التأمل ،حين يتأمل مدهش القوتين المتضادتين دون محاولة فهم خلفيات هذا النزاع الأزلي، معنى هذا أيضا أن الكتابة هي فن المدهش،وهي التي تجمع في نفس الوقت النفس الوجداني و المصور الصانع ،أي الإنسان الذي يمتلك السيطرة على تقنية معينة و يكظم غيظه باتجاه هذا الجبروت الموغل في التوحش.
إذن "لماذا و لمن"سؤالان صارا متعلقين بمصير الإنسان مجددا،وعليه أن يتعلم مجددا كيف يفك لغزا آخر في شكل سؤال أيضا طلسم وسفانكس هذا العالم الذي قذف بساكنيه خارج غلاف الجذب العام بمعنى"كيف"ـ كيف نكتب في هذا العالم البغيض من لحظة ضعف لتصير الكتابة قوة و في مجرى الزمن،بحيث يتم فيها تحويل تجربة الإنسان إلى تجربة الكتابة عن طريق اللغة،التي لم تعد وسيلة معرفة وكفى،بل صارت وسيلة لنسيان هذه المعرفة و تصبح ساعتئذ وساطة مهمة لفقدان المرء نفسه الزائلة،و اكتشافه لطبيعته الهائلة الخالدة التي كانت محجوبة عنه قبل الشروع في الكتابة ،و القبض على اللحظة المسحورة.
إنها لغة خاصة بهذا العصر ،شبيهة بأسلوب التعزيم في طقوس العبادة الدينية التي يمكن بواسطتها بلوغ ما يستعصى على التعبير،وبما أنها لم تعد لغة باتجاه التاريخ لم يعد الأسلوب أيضا هو الإنسان ،بل صار المجتمع ،وعليه الكاتب يكتب عندما يشعر بفقدان شيء نفسيا محليا ووطنيا وعالميا من داخل عالمه الخاص
أو من خارج الذات،و"كيف" لا تكتب الإنسانية و هي يوميا تفقد المزيد من وهجها و بريقها باتجاه الأشياء ،وعليها أن لا تغالط نفسها بالنجاح الكاذب إله هذا العصر الحديث ،الذي حطم القيم و أحال الأسماء إلى الأشياء و الأرقام و الحالات ،وغلب الغموض والمبهم و اللا أدري و البياض و النص المفتوح على الكتابات المعاصرة،لأنها وليدة هذا النجاح المريب المفتوح على العديد من الاحتمالات المنذر بالرعب و الخوف و الخطر من النبش في ملفات الماضي و الحاضر ،ناهيك عن المستقبل !إنه عصر انتصرت فيه الكتابة على الكاتب و على القارئ معا،وانتصر أخيرا الوحش،كما وصلت إلى الضيق بذات نفسها،ولم يعد لها من متنفس سوى الأساطير،و بما أن الأساطير غير مفهومة ،فإن الكتابة أيضا صارت غير مفهومة، فما جدوى لماذا لمن .......وكيف إذن !؟

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق