]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صدّام حسين، تراجيديا الحب والبُغض

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2012-04-28 ، الوقت: 20:43:47
  • تقييم المقالة:

ثلاثة على الأقل ممن أعرفهم، وما خُفي كان أعظم، ثلاثة ممن لا ينتصب القِدر الا بهم اختاروا السباحة ضد التيار والتغريد خارج السرب والزحف نحو قلب العاصفة.

 ثلاثة أثبتوا بطريقة مذهلة، قدرة الإنسان، هذا المخلوق البائس الضعيف، على نبذ البغي وتبني الحقيقة بموضوعية تتضاءل دونها كل شجاعة أدبية وكل نبل أخلاقي، قدرته على انصاف الآخر وأن كان قاتله ومعذبه ومطارده وغريمه اللدود، بسمو ملائكي للعدالة وجنوح اسطوري للحق يرفض التمرغ بأوحال الاجحاف المسيء ويأنف التسافل الى الشنآن المُخل، وقد كان لهم ذلك، فأنصفوا بعدما تعسّفوا، وأقرّوا بعد أن جحدوا.

كانوا من مشارب متباينة وأهواءٍ شتى، لم يلتقوا في منهج أو رؤية أو سبيل، كانوا ولا زالوا على وجه الديمومة ذوي آفاق شديدة التقاطع والاختلاف، وحّدهم ذلك الانخراط الطوعي او القسري بما يشبه الصرعة الرومانسية في صفوف المعارضة لنظام صدام حسين، وهي معارضة ضمّت حينها وسط ركامها المهلهل أطيافاً وجبهات وجماعات لم تلتق يوماً على غاية او تنتظم في سلك، وظلت رهينة التباينات الحادة والتقاطعات العميقة في النظرة والبرامج والاهداف.

 وإلى جانب ذلك، جمعتهم نقمة مريرة وغضب مجنون لم يلبث أن تجاوز جوارحهم لينطلق هادراً في موجات احتجاج هائج، ونظراً لأن عراق البعث كان يتمتع بنسبة "صفرية" من المعترضين، فقد قرر الثلاثة الخروج والهجرة غريزياً خشية الذوبان في أحواض الأسيد هم وذويهم، او هكذا خُيّل لهم، ثم لم يلبثوا أن لعنوا اليوم الذي اصطفوا فيه الى خندق المناوئة.

هم أكاديميان وشاعر شعبي، نزحوا من البلاد إبّان غيبوبة الحروب الطويلة، وأقاموا من منافيهم منابر نشطة وألسناً سليطة للفَتّ في كبد النظام العراقي والتعريض به ومهاجمته على مدار السنين والأيام، الثلاثة نتاج البيئة التي تفتخر اليوم انها قارعتْ نظام البعث مُذ استولى على السلطة مؤسساً لمرحلة استبداد طويل.

 الأول هو الدكتور علي الصرّاف، الناشط الجنوبي الذي بلغ به كره صدام مبلغاً جعله يعتقد أن العراق لا يحتملهما معاً، وأن نظام البعث بآلة قمعه الرهيبة يمثل، تاريخياً، خلاصة شرور البشرية ونقطة الحضيض الأخيرة في الارتكاس الحيواني، كاتب بزغ نجم قلمه المسنّن الجارح الكاشف لعورات النظام الصدامي منذ تولي القائد الضرورة كل السلطات المتوفرة في الدولة العراقية أواخر السبعينات، وهو نفسه الذي انبرى بعد قيامة التاسع من أبريل وتحت وطأة شيءٍ قريب من وخز الضمير لتسفيه أحلام تلك القيامة المدمرة والاعتذار ضمناً لديكتاتور "رائع".

 والثاني هو الدكتور حسن العلوي، البغدادي الشيعي القومي المنحدر بحسب اللقب من الأسرة العلوية الهاشمية، والمنشق عن نظام صدام بعد مرحلة وِدّ وغزل لم تعمّر طويلاً ارتقى خلالها العلوي مناصب شبه حساسة، والحانق على تحول بعث العراق الى ميليشيا ومنظمة مخابراتية تحت أرضية، وصاحب الآراء النقدية الجارحة لبعض المفاهيم الشيعية الراسخة عن التاريخ والخلافة الى جانب موقفه الجدلي حول طبيعة العلاقة بالكويت.

 وأما الثالث فهو الشاعر الجماهيري الشعبي العامي عباس جيجان، صاحب الجذور البصرية والجنسية الهولندية، ألهب مشاعر العراقيين شعباً وقيادة خلال أهوال الحرب مع ايران، مرتدياً بزّة بلون زيتون القدس ومتمنطقاً حزام الحرب الثقيل، وراعداً بكلمات كدوي المدافع أذهلت حتى القائد العام للقوات المسلحة (الذي لم يكن سوى صدام حسين نفسه) الغارقة في أتون لجة صراع وجود وفكر وأيديولوجيا مع ثورة تُصرّ على تصدير نفسها بنفسها، بيد أنه – وتحت وطأة ظروف ذاتية استثنائية - ارتدّ على النظام العراقي مع طلّة التسعينيات وزلزال اجتياح الكويت لينزوي في اوروبا حيث غربة المناخ والوجه واللسان قبل ان يسنح له انهيار النظام العراقي بعودة سريعة للوطن لم تدُم او تطول.

الثلاثة شتّتهم صدام حسين وطاردتهم خلاياه الاستئصالية في طول الدنيا وعرضها دون ان يعني ذلك بالضرورة استثناء اقاربهم ومحبيهم واصدقائهم من العقاب الجماعي المألوف، الطرد والتهميش والمراقبة، والثلاثة تجرعوا غصص الغربة والتشرد والأجواء الأمنية المخيفة، والثلاثة دفعوا وبأثمان باهظة كلفة تحديهم لنظام كان مستعداً للصفح عن كل الجرائم الا التمرد والثورة.

 بيد أن شيئاً ما، شيئاً غير محدد المعالم والأبعاد، شيئاً عسير الوزن والكيل والتفهم، أنفجر في دواخلهم تباعاً او بالتزامن او تدريجياً بدءاً بالتاسع من نيسان 2003 وحتى اعدام صدام حسين في 30 كانون الاول 2006، لتستمر هزات الثلاثة الارتدادية، عنيفةً مدوية، شرسة، تلعن سدنة الضريح الهائل الذي صار شيئاً فشيئاً أكبر حتى من مساحة الحياة في بلد تعثر وسقط في طريقه نحو الحرية، في مرثاة لا تستثني صداماً نفسه ونظامه الذي يعترف الثلاثة بخطل معارضتهم له ومجانبتهم الفظيعة للصواب يوم قرروا التحول الى محض ملاقط جمر وقفازات وقاية وابواقاً بحناجر لقيطة لخراب ساهموا من حيث لا يشعرون في هندسة أبعاده ووضع تفاصيله وتزيين قبحه وتلميع صورته.

هل كان ذلك الشيء السوداوي المروع الذي اكتشفه الثلاثة بالتخاطر او التناظر او التوازي، لمحة ما او رؤية معينة عن أطلال العراق الجديد تواردتها خواطرهم بشكل جماعي؟ هل شعر الثلاثة كما شعر ملايين غيرهم بنحس الأيام القادمة؟ هل فضلوا الاستمرار في احتمال طغيان مستقر على ديمقراطية أسست على شفا حفرة من الفوضى والمجازر والدمار؟ هل شعر هؤلاء ان الشيء الوحيد الذي سيزدهر في عراق ما بعد صدام حسين هو شواهد القبور الشرهة للمزيد والمزيد من الموتى، دون انقطاع؟.

غريب ان ينفق المرء جل شبابه الذي لن يعود وزهرة عمره التي تتفتح مرة فحسب في تفنيد انموذج بحجم صدام حسين، ثم عندما تنضج الغلة ويقترب القطاف ويدنو الحصاد وتتفتح الابواب وتفرش البوابات بالرمل والأحمر الفاقع، يعود نفس المرء ليتبنى الانموذج المحير الذي بدد العمر كله في حربه ونزاله، مقت صدام وحبه – على افتراق الشعورين وتمايزهما – جمع الثلاثة على صعيد واحد، كان بإمكان كل واحد منهم ان يتكأ على رصيده "النضالي" ليصطاد في مستنقع السياسة العكر متخماً بالمن والسلوى، لكن أمراً ما دفعهم لأقصى درجات الاشمئزاز من كل المجريات المنقوعة بالدم والأشلاء والجثث، مفضلين الانسحاب من الحياة والوطن ووهم المجد وابتلاع عقار الهلوسة الدائم عن بلد في منتهى الجمال والنقاء والسذاجة.    

  

  

ليث العبدويس – بغداد – alabedwees@yahoo.com 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2012-04-29

    إن كل يوم يمر بعد الإعدام بتلك الطريقة التي لا يقبلها حتى كافر ..تلك اللحظة التي توقفت امامنا كما جبال وسدود امام الكرامة ..يوم الو بكته  النساءمحيطات ما أوفين حقه ..فقد ضاع بعده الكثيرون

    ان دمه بيد كل مناوء جبان محب للذات ..ومسبب  للفتنه وان الثلاثة اؤلئك ..أمثالهم كُثر في أمتنا ,,ينتقدون ويسببون في بلبلة الوطن ثم يرتحلون ..وحين العودة بعدما فقدوا الكثير لاجل الهدف المميت نفسا ونفسيا يجدون ان اعمالهم كسراب بقيعه ..فما فائدة الندم بعد العدم !!!!!!!

    لكم الله يا اهلي الاحباء في العراق ..لكم الله ..فكلما رأيت الدماء تنساب وحادثة قتل  تحصل ,,يأخذني الزمن لأبعاد النهضة والقها يوم ان كانت ,, وكأني متفرجة على قمة جبل رأيت الاحداث تتسارع ..وارى من كل الابعاد كيف هي الذئاب تتناوش لاجل قطعة ثمينه لاجل المصالح ..فأي ديموقراطية عجنوا خبزها بدماء الابرياء ؟؟! وأي عدل أن نقيم فرق وطوائف تتقاتل كل يوم من اجل مصالح لم ينزلها الله بديننا ؟؟ وأي نهضة تلك التي قسمت البلاد  لاقسام لا زالت كما

    كعكة ينهشها كل لحظة سارق متعد ؟؟!!

    لك الله يا أمة لا زالت تتناحر لاجل توافه الامور .. ولا نرى او نرى لا ادري _مما يتم أمامنا وبكل غباء او قل بكل انانية نقبل بالقتل والتدمير على حساب قطعة لا تكفينا حتى للحظة ! او على حساب رؤية الجثث امامي تتحد بتلك القطعة فتسيل منها الامراض والتشتت !

    لما كل ذاك الشقاء !!!! هل فكرُنا عسير ..؟؟!! ام فكرنا استحوذت عليه متعةوشهوة ومصلحة على شرعية المولى لنا بان نسخر الكون للخير ..أين هذه الامة الخيره ..هل ضاقت بها الحروف والنفوس والكتب ؟؟!!

    ان كل تتبع لكل خبر يعلن لي استئثار المصالح على استصلاح الوطن ..يا امتي استيقظي فقد نمت كثيرا ,,حق لك ان تستيقظي فالدود قد اكل القصعة وما بعدها ولم يتبقى لك من شيء سوى نهشك حية كما يحثدث الان!!!!!

    اخي ليث انت قلم يكتب المقالة بطريقة مبدعه لا نتوانى ابدا عن تركها ولو للحظة ..اسلوبك راقي ومبدع .ابداع يتالق بالحق ..ارجو ان نبقى نراك دوما هنا فقد اشتاقت المتصفحات لكم ايها المبدعون

    لكم شكري الجزيل وامنياتي بعراق ووطن واوطان اكثر سلامة

    صباحكم الق الخير

    طيف بتقدير

     

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق