]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

امرأة الخيال (قصة)

بواسطة: amani  |  بتاريخ: 2012-04-20 ، الوقت: 19:47:07
  • تقييم المقالة:
فجأة استمدت امرأة الخيال روحها، وأخذت تطوف بين الناس وتكشف أسرار المتعايشين عليها. امرأة الخيال لم تكن جسداً أو شيئاً مادياً، لا تستطيع أن تراها أو تسمع لها صوتاً، وهي في نفس الوقت ليست وهماً أو ظلاً، تستطيع أن تقول بأنها فكرة مازجتها الروح لتصبح واقعاً غير محسوس. كانت تلك المرأة بلا حياة نائمة داخل جوف رحم الأحلام، استيقظت الأعين وانطرحت الروح بالنفس ، فجأة تمخضت المحبة الحزينة لتعلن عن ولادة هذه المرأة لتكون خيالاً لنفسها ولروحها وحزنها ومحبتها . دوى صدى رقيق، واختفى عبر السكون، وساد الصمت بعد آخر صرخة خرجت من فم المحبة الحزينة. حزنت السماء وبكت بكاءاً مريراً، وغطت الأرض بالماء فتأثر التراب وأخرج من جوفه نباتاً له أزهاراً بلا لون وبلا رائحة وبلا شوك وأوراقه ناعمة كالحرير المنسوج، ومن شدة حزن السماء والأرض على روح المحبة الميتة، انطرحت من السماء روح جديدة على خيال تلك الأزهار، فأصبحت بشكل امرأة وتحركت وطافت حول قبر المحبة، تحمل بنفسها "سيمفونية" عذبة يخالطها الحزن والسعادة وقد وقفت تسمع كلاماً حفرته النسائم الهادئة فوق جدار القبر، وتنهدت امرأة الخيال وحملت الرسالة التي لم تفهم معناها. جلست عند الغروب على شاطئ البحر تحاكي أنغام الأمواج، وتهدهد النسمات البحرية خصلات شعرها المتموج في الخفاء. رجعت إلى مضجعها المنسوج من الأزهار والياسمين بعد أن غطى الظلام المكان ، أغمضت عينيها ، فتلحَفت بضوء القمر الفضي . ومرت بدنيا الأحلام وارتعش جسدها لأول لمسة حب دخلت دنياها .... خيال يعشق خيال . انقشعت الأشعة الفضية ليحل مكانها أشعة صفراء، وما أجمل ذلك الفجر الجديد من دنيا الحب وتراءت أخيلة الفرح أمامها ، فتغنت الطيور لهذا الوهم الجميل . طافت بين الأشجار والسنابل و بين الورود والعنابر وغنت نشيد الحب العابر مع نسيم الصباح الفاتر. مر يومها مستمتعة بذلك الحلم الرائع حتى جاء المساء، وبدأت الشمس تلملم أشعتها الذهبية وتخفيها وراء الأفق، وتلونت الغيوم المحيطة بها بلون أشعتها الوردية، تخيلت تلك المرأة بأن الغروب صامت وأن كل ما يحيط بها هادئ، حتى البحر كانت أمواجه تتلاحق بهدوء غريب كأنها تتهامس بسر خطير، أما أغصان السنابل والزهور فكانت تتمايل برقة وحزن خافت وكأنها تغني أغنية حزينة على طير جريح وقع بين أغصانها. بدأ الظلام يظلل الأرض والسماء بوشاح أسود مرصَع من الأعلى بلاءلاء فضية لامعة ومن الأسفل تحركه نسمات رقيقة باردة تتخللها تعريقات خافته، غلب النعاس امرأة الخيال فأغمضت عينيها ونامت. كانت الأحلام تتلاحق لكن ذلك الخيال المحبوب لديها لم يأتي وأصبح الاشتياق إليه حلم مزعج، في  كل يوم تنتظر الليل ليجيء الخيال الذي طالما انتظرته لكنه لم يأتي كما تمنته، وحزنت حزناً كبيراً وأسفت أسفاً عميقاً لنفسها التي تعلقت بذلك الخيال الجميل. في يومٍ نظرت إلى مزارع كان ينثر الحبَ على الأرض وكان يأمل بمحصول وافر، فإذا بالطيور تلتهم الحب ويصبح الأمل طعام شهي في أجواف الطيور العالية المحلقة بالسماء ، وينتظر المزارع المحصول ويصبح أمنية ، حتى إذا جاء وقت الحصاد لم يجد شيئاً. حزنت لحالها المشابه لذلك المزارع المسكين وطافت هائمة بين المزارع...لترى السواعد الملتهبة من شدة العمل والشقاء ، أما الوجوه فكانت مشرقة تترقب الأمل ، تزرع اليوم وتشقى وتنتظر الغد لتبقى. بدأ الظلام ينشر وشاحه الأسود ، فتأملت نجومه المزركشة تزينه كالبرق اللامع وقالت في نفسها : أهكذا أخبروك يا ليل أني قد خلقت من ظلامك، وتزينت من نجومك اللامعة ، وأصبحت نجمة لامعة ، أم أردتني قمراً يحلي وشاحك الأسود. نامت العين وسهت النفوس وسرحت الروح داخل الظلمة وعندما أشرقت الشمس وبدأ النور ينتشر ويزيِن الأرض بوشاح أبيض من الأزاهير والياسمين، قالت له : يا نهار هل أخبروك أني خلقت من شعاعك البرَاق وضوئك الساقط على الأوراق الخضراء، أم جعلت مني الشمس المشرقة والوجه المتلألئ بالنور. ولكن ثمة تنهيدة قصيرة وكلمة آه ، فجأة رأت خيالاً من بعيد، فضحك السر من السر وأسرعت نحوه سابحة دون وعي حتى وصلت إليه ولمسته، تحسسته، لكنه ليس سوى وهم من الأوهام أو سراب،أنه خيال شجرة تحركه الرياح في المادة فيتأثر الظل من الحركة و يتحرك مستجيباً للمداعبة الساحرة الخفيفة. هذا أول أمل ينطفئ بعد ولادته ولكن هل ولد فعلاً ؟... أم ما زال جنيناً في أيامه الأولى ؟... وقد يكون لا شيء. تحركت بعيداً و لم تنزل لها دمعة واحدة وصرخت ألماً لروحها ، هذه هي بداية التحدي بين الوهم والحقيقة ، لابد من أن أجد هذا الحب مهما كان غداً أو بعد غد. سمعت في إحدى المرات صوتاً خفيفاً ...كاد أن يكون ريحاً تحرك أوراقاً جافة على الأرض واقتربت منه قليلاً قليلاً، مشت ببطء عجيب كلص محترف ... لكي لا تُسمع خطاها الذابلة الخافية ، فإذا أمامها كتلة آدمية حية ... تمسك بريشةً رسم وتلون لوحة. اقتربت من خلف الكتلة الآدمية و نظرت إلى اللوحة ورأت الصورة الملونة الشبيهة بذلك المنظر الطبيعي الذي أمامها ، فأسرعت وجلست على غصن الشجرة .... لعله يرسمها و لكن المفاجئة بعد انتهائه الرسم على اللوحة، أسرعت ونظرت إليها فإذا لا شيء لرسمها. لحقت بذلك الإنسان العجيب الذي كان لا يظهر على وجهه سوى حزن وصمت رهيب،أرادت معاتبته .... لماذا لم يرسمها؟ لماذا لم يبتسم عندما رآها أمامه؟....لماذا؟....لماذا؟... دخل الرسام كوخه الصغير ، فدخلت وراءه قبل أن يغلق الباب ووضع ألوانه ولوحته في مكانها في إحدى الزوايا وخلع معطف الرسم الممتلئ بالألوان. مرت الأيام كسحابة بيضاء تناثرت كالظل في السماء الصافية وكانت المرأة تراقب الفنان باهتمام عجيب وتلاحقه أينما ذهب، وتراقب يده المرتعشة وهي تداعب ريشته التي تمزج الألوان لتخلق ألوان جديدة تشبه الطبيعة وتصبح على لوحته صورة من الطبيعة الحية وتبقى اللوحة صامتة مثل وجهه الممتلئ بالهدوء الجارح. بقيت امرأة الخيال فترة من الزمن وهي تنظر وتراقب حتى شعرت بالموت والحياة تتصارعان في قلبها وفجأة لم يطل انتظارها أكثر حتى سمعت صوتاً ضعيفاً ينادي، وصرخ الصوت فجأة ...ابتعدي...فوقعت وانتصرت عليها قرينتها. نسيت المرأة ذلك الوجه وأشاحت بنظرها إلى الخلاء الواسع، فكرت بأن للطبيعة روح مثل روحها، فتذكرت اللوحات المرسومة للطبيعة الميتة، فكرهت ذلك. شعرت بأنها تريد أن تستريح وأن الحرارة الحارقة بدأت تعذبها،اتجهت دون أن تفكر أو تنظر إلى ظل شجرة ميتة، أحرقها البرق فتفحمت وليست سوى دقائق وهبَت الطبيعة من خلال امرأة الخيال حياة جديدة للشجرة فأخضر غصن ثم التالي فالتالي حتى أخضرت الشجرة بأكملها ودبت الحياة بجذورها، اتحَدت الروح بالجسد وأثمرت الشجرة ثمراً أصفراً كإشراقة الشمس. جاء المريض يستشفي منه وجاء الفنان يرسمه وجاء الراهب يقدسه ، وأصبح الناس يتساءلون عن تلك الشجرة كثيراً ، ومن بين الناس كان هناك صاحب الخيال الواسع فقال : هذه الشجرة كانت امرأة في الأصل ، والمرأة منذ أن وجدت على الأرض وهي عطاء لا ينبض ولا يتبدد ،حتى لو كانت خيالاً في النفس أو شجرة جذورها ملتصقة بالأرض فهي عطاء دائم ومستمر.

تأليف : أماني عثمان القدسي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق