]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الجدار الرابع للأدارة

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-04-18 ، الوقت: 15:31:05
  • تقييم المقالة:

الجدار الرابع للأدارة

غالبا ما تعكس الأدارة الحديثة الوجه العام والحقيقي للدولة,ليس هذا محليا او قطريا وانما عالميا,فأن صلحت الأدارة صلح النظام وسمي بالحكم الراشد او الخلاق,ليس هذا عند دول العالم الثالث,وانما عند اكبر الدول غناءا وذكاءا,وان تعددت اساليبها وسيمات تواجدها,اذ,غايتها كانت دائما تهدف الى التقرب من المواطن ومحاولة تفهم واقعه المعيشي,بل,تساعده على ان يكون في موضع تفكير ,مشاركا ايجابيا لامتفرجا على الفعل,مخططا ,منظما,مراقبا,ومتابعا وحتى مقيما ومقوما ايضا.

الجدار الأول:

اذا كانت الأدارة ميكانيزم انساني فرضته حتمية الظروف,المتعلقة بنظام وبطبيعة الحكم ككل,خاصة في نظام حكم ديمقراطي,فأنه من جهة اخرى يجب ان ينعكس على المواطن جوهر العملية البشرية والمادية والتنظيمية العامة,السياسية الأجتماعية القانونية الأقتصادية التي في النهاية تستهدف تنفيذ السياسة العامة للدولة كمدخلات ومتفاعلات ومخرجات وحتى بأثر رجعي,ان تطلب الأمر تغيير ما.ذاك المواطن الذي جعلت منه ادارة الحروب وخلق وصناعة الأزمات,شخص مجرد بلا اسم ولاهوية,عوضا عن ادارة سلم,وشخص بهوية,يشعر بانتمائه للمجموعة البشرية,وبأنه يعيش في جو من الهدوء والطمأنينة والسلام محليا ودوليا.انسان اليوم كان بامكانه ان يعيش انسانيته باكثرهدوءا وطمأنينة وهو يرى نجاحاته نابعة من اصيل فيه,وليس من رقم وحالة دخيل, غربته وابعدته ادارات عمومية وخاصة,وصار يميز بما يميز الربح والخسارة والطلب والعرض,لم يعد انسانا من حيث هو انسان,بل صار الأنسان هو رأس المال المنشود,وعم الرقم والرقمية والمرسوم والقرار واللاوضوح.وفي ادارة شمولية كان يحكمها نظام بيروقراطي.كان الى وقت غير بعيد ان استدعي الى مرفق ما فهو متهم حتى قبل ان يتلى على مسامعه النطق بالحكم.حركية الحالة او الرقم بالأدارة حركة تحمل الكائنات الأنسانية من المرفق الى الفضاء,في عالم تحكمه الظاهرة الماركتينكية,حين يتحكم الشيئ المنتج في الشخص المنتج,تصبح الأشياء أقوى من الناس.ليس لدى البيروقراطي علاقات انسانية وانما ,الأنسان نفسه يصير ملفا داخل ملف آخر,وبالتالي يشعر بأنه اقل قيمة,ولا يشعر بأي انتماء الى التجمعات البشرية,بل حالة ينبغي لها ان تحتك فقط مع صغار ممثلي النظام كتلة ومساحة ولونا بلا تخطيط اوفضاء.

الجدار الثاني:

اما اليوم,وبفضل البروستورايكا السياسية التي شهدها العالم مؤخرا,وسيشهد المزيد منها مستقبلا سواء ارادت الشعوب والحكومات ام أبت ارادات التغيير الطبيعي والواقيعي,وسواء انتج العقدالأجتماعي قوانين تسيير دواليب الدولة اومن عدمه .الطبيعة قائمة على عنصر التوازن,وكلما اختل التوازن في مرفق او فضاء ما تداعى الجميع بالتحجج والمقاومة والأعتراض.وبفضل الأنفتاح السياسي والثقافي,وبفضل التقدم العلمي التكنولوجي,وفي حدود التسامح الأقليمي والعالمي للأمم والشعوب,وتفهم الحكومات,وتكيف مختلف القرارات والمراسيم والقوانين للحكم الراشد النزيه,وكذا عامل سقف انتشار الديمقراطيات,بما فيها هامش مساحة الحرية والمساواة,اعطى كل هذا للأدارة الحديثة بعدا انسانية,وعمل على انسنتها مكانا وزمانا وفعلا ومواطنة.اذ,لم تعد تستمد ارادتها من تلك الأوراق المكدسة ولا الحالات والأرقام المندسة,بل اصبح المواطن طرفا فاعلا ومساعدا ومناضلا معاضدا مساعدا على ان تكون الأدارة اكثر انسانية,ادرة حديثة في مقابل حكم راشد خلاق. وعليه تقلصت تلك الأرقام او ازيلت بالمرة من اعلى الواجهات والمرفق, وتعدت الى الشوارع والأزقة والطرقات العمومية ,ولم تسلم حتى اسماء بعض المدن-polis/احسن معلم- كما اعتلت قمصان الرياضيين والمدنيين والمساجين والأحرار والمتحررين ايضا.لم يعد الأدعاء الأول لايتلى في قاعة المحكمة ولايكتفي بأدراجه في الملق وانما صار يفحص لاحقا.صارت اليوم تحمل مميزات انسانية,اسماء معلومة في المكان والزمان والحدث,وصار السيد المواطن لايشعر بالعجز عندما كان  يواجه جهاز السلطة في موقف المتهم منذ البداية,دون ان يدري ما هو الأتهام الموجه اليه,ولاطبيعة الجرم الذي ارتكبه,بل لم يعد يتخذ القرارات الحكام بمفردهم,وبالتالي لم تعد تتغرب الدولة وتنفصل عن المواطن العادي.

انتزعت سلطة الأوراق وعوضت بسلطة القوانين والواجبات والحقوق,لذا لاغرو ان اصبحت الأدارة الحديثة تستعين بالمجتمع المدني وبالجمعيات الفعالة,وحتى بعض الأفراد والجماعات النشطة,كشريك اساسي في فعالية الأدارة,حتى يصير المواطن سيد في تقريرمصيره باتجاه نفسه والأخرين ومحيطه تأثرا وتأثيرا,تنمويا محليا وعالميا ايضا.الأدرة الحديثة العالمية اصبحت تواكب ما يجري في العالم  من ثابت ومتغير ومقدس وواجب .اما عولميا ان تراقب بحذر والحيطة والأحتياط ما يجري حولها من بؤر توثر وضغوط وهيمنة جراء ادار رقمية اكثر فتكا وذكاءا,سرعان ماتكشف طبعها الذي يغلب تطبعها,حتى ان كانت غاياتها تبرر وسائلها الميكياقلية البافلوفية الكازمتية.كأدارة الصقور التي يشهدها الجهاز التنفيذي والهيكل السياسي للولايات المتحدة الأمريكية,كنظام حكم.فالصقر من غريزته التحليق بالأجواء عاليا,ولايعترف بما يسمى سيادة الأقليم,اوحدود الأجواء الدولية المتعاهد عليه,ان يرتفع بذاته فوق الصخرة السياسية والأقتصادية والأجتماعية الشماء.كما ثبت علميا بانه يصدر من عينيه امواج كهرومغناطسية تشل فرائسه على الأرض,ومن  ارتفاعات شاهقة,حتى اذا ما وصل الأرض انشب مخالبه القوية القاتلة التي لاترحم.ولعل من دواعي الحكم الخلاق الذي يناشده العالم حاليا,الأدارة الخلاقة,مبدعة راشدة تراعي وسائل الأعلام التي تمثل عين الصقر العابرة للقارات,تلك التي تزرع الترفيه في التوجيه,والتطهير في التفكير,والسم في الدسم.الحالة في الرقم,والصورة في الكلمة التي تقود العالم بشخصية معنوية,حسب نظرية المجاز والأفتراض القانوني,حين تقوم مجموعة من الأشخاص ترصد لهم مجوعة من الأموال تهدف في النهاية الى خدمة العم سام. وعليه لم تعد الأرادة هي اساس وجوهر الحق ,بل,المصلحة,مصلحة القوة التي يقرها القانون,حق شرعي تاريخي,حق الدول الهاضمة قديما وحديثا على الدول المهضومة قديما وحديثا ايضا,وعليه التنظيم المنشود,هو تنظيم ينجم عن فوضى خلاقة.

الجدار الثالث:

ولما كان رجل الأدارة الحديث,يمثل البعد الأول,تصير المراسيم والقرارات بعدا ثانيا,والأوراق والملفات والمراسلات والحقوق والواجبات بعدا ثالثا,فان المواطن الأنسان صار يمثل بعدا رابعا للآرادة والمصلحة الخلاقة,بل,هدفها الأساس,وغايتها المثلى تخطيطا وتنظيما ومراقبة وتنفيذا.بعدا رابعا كاحدى غنائم وتضحيات الثورات الثقافية والنضالات الديمقراطية ,ووعي الشعوب والسعي الدؤوب في تقرير مصيرها الأنساني.اذ,اصبحت المجتمعات المدنية والتجمعات البشرية المدنية تقرر مصيرها باستمرار باتجاه اداراتها,عوضا ان تقوم الوثيقة والمرسوم والقرار والمقرر والتعليمة مقامه ,كأن يستخرج  مواطن شهادة ادارية ما في مرفق ما,حتى يستغرق وقتا طويلا وجزء من بريقه الأنساني,ومن تمة تصير الحالة مجددا اهم واثمن من الأنسان,الذي كان السبب المباشر  في خلقها اول مرة.لاشك بأن مجتمع شمولي يمارس اهله طقوس السقطات الأوليغاركية,هي سقطات تخلى عنها المجتمع الحي الحر منذ سقوط الجدارات السياسية العسكرية,على محور التاريخ والجغرافيا المادية والمعنوية,دون شك يسير المجتمع وفق هذا المنوال الرتيب نحو الأندثار والشطط.ثم ان مجتمع يفضل الأشياء على القيم,هو مجتمع مركزي قاصر ولايبدع حلولا منتظرة,لن ولم يبلغ ابدا الى مصاف الأدارة الخلاقة الراشدة,التي تشجع على الأبداع والأبتكار,واحترام الوقت والمواعيد لأنجاز المشاريع الكبرى والصغرى.وحتى عندما حطم المجتمع الحديث بفضل نضالاته العالمية المستميتة الأدارة الكلاسيكية,وحتى ما صدق المواطن صار شريكا,وبانه صار صاحب حق مشروع ومصلحة,حتى فجأته الرقمنة ودارت دورتها الأغترابية,واعادت المؤشر العالمي الى نقطة الأنطلاقة الأولى,وعاد المواطن غريبا دخيلا ,ترصد حركياته وتتبعه اجهزة كشف الكذب,او ذاك الرقيب الكلاسيكي الداخلي والخارجي,لايراقب الأثر الذي يخلفه الحدث وانما الحدث ذاته,بل تعمل على ربطه صبحا ومساءا بسجن الدائرة الألكترونية.اذن هذه الأدارة العالمية التي صارت تطوقها القيود واغلال دوائر الرقم ومشانق العولمة,ولم تشفع له ما قدم من  تضحيات جسام في مجرى التاريخ.فلا الأداري قام بدوره الكلاسيكي المعهود,ولا المواطن استفاد من تحطيم الجدار الرابع لأدارته الحديثة.الجميع صار اليوم تحت رحمة الألة,توجهه وتقيمه وتبرمجه وتراقبه نحو مصير مجهول,وانقلب السحر على الساحر,حين راحت الأوراق والملفات والقوانين تتحكم من جديد في الأنسان صاحب الفضل .

الجدار الرابع:

امام هذا الجدال ما بين المواطن والأدارة,وما بين الأرادة والمصلحة,كان لابد من الفن كطرف وسيط وضامن للمتابعة وللتقييم والتقويم,كان لابد للفن .ذاك مرده ان الأدارة تعتمد كثيرا على قواعد غامضة ,وغير ثابتة وغير مؤكدة,فهي تعتمد على المهارات الشخصية والمواهب الذاتية وقدرة عالية عن الأستشراف.وحتى يتسنى تحطيم القواعد المعهودة,وتقام بدلا عنها قيم جديدة على الصعيد السياسي الثقافي التاريخي,سوف لن تخدم الا تلك الصورة النمطية الأولى المهيمنة,صورة الصقور كانت او صورة الحمائم,الذي تعمل بدوره البيروقراطية من تحت انقاذ ورماد عنقاء سياسة الأشياء والشيئ المنتج والطابع الصنمي للبضائع والأوراق والملفات والحالات,توزع الأتهامات من هنا وهناك دون عدل او وازع اخلاقي,تارة تحت طائلة المساس بحقوق الأنسان,او حجة مكافحة الأرهاب...ماحقوق الأنسان..؟...ما الأرهاب....؟الى اين يتوجه المرء طلبا للعدل والمساعدة....؟,ثم ما الواجب وما الحق وما المصلحة..؟.هذه هي الأسئلة التي تتردد المرة بعد المرة,حين تواجه الأدارة العالمية  بعض العراقيل,وحين تبتعد عن الموهبة والأبداع والفن والثقافة.قد يتناسى السيد الفوق,بعض الكبار,بعض الوقت حتى تلبى حاجياته,لكنه سرعان ما تتغلب عليه غريزته المتوحشة ويثور على الجميع بحجة كل من ليس معي هو ضدي, ينقض على فرائسه كما ينقض الصقر على الأرنب التي اخرجتها من جحرها لعبة العصا والجذرة التي تطبق خصيصا على العالم الثالث.هذه الأدارة الظاهرة الشمشونية التي ترى الى الكأس نصف الفارغ,وتلعب بدل الوقت الضائع .على الأدارة ان تحطم جدارها الرابع ان تنتقل وتشرك المواطن من البسيط الى المركب في قراراتها ومصيره المتعلق بهيكله الأداري,دولته,حكومته,ولايته,دائرته,بلديته,وحيه اوقريته المتواجد بها.ليس الهيكل الأداري فحسب وانما السياسي ايضا,والثقافي والأقتصادي الأجتماعي.لن يتسنى هذا الا اذا ادرك المواطن واقتنع بان ما يميز الرجال الكبار يميز الصغار ايضا,من هياكل وبنى تحتية وفوقية,هذا بعد ان حطمت الأدارة العولمية الطبقة الوسطى,وصار الثراء الفاحش,والترف المتوحش ميزة وتيمة هذا العالم الموغل في الأفتراض البعيد عن المتابعة والمعالجة,والذي حتما يتابعه الفقر المدقع مما زاد الهوة شساعة واتساعا وصار الأحتواء او الهرولة باتجاه الأنتماء الصوري الكاذب المهيمن.وحتى نتفادى الأحتواء ان كان لابد من الأحتواء على الأدارة وخاصة العالم الثالث ان تستمد قوتها من الجميع حكاما ومحكومين على حد سواء,ان تنتمي الى اصالة مواطينيها والى جذورها الحضارية الثقافية العميقة اصالة ومعاصرة.ادارة تؤمن بتوزيع الثروات بشكل عادل,وان تعمل جاهدة على المحافظة على الطبقة الوسطى ,كما يجب ان يصاحب عمل الأدارة الفكرة التي لها القابلية على التغيير,وان ينعكس على البرامج والتخطيطات قريبة المدى والبعيدة منها.بالتالي تنتقل الأدارة من التصوير الى التعبير عن الحياة,تعيش صعابها صعدا ونزولا,افقيا وعموديا جنبا بجنب المواطن,ان ينتقل كرسي الأدارة الى المواطن البسيط كيما يتعلم من جديد كيف يتخذ القرار الصائب في الوقت المناسب وفي المكان المناسب.كما يجب ان يكون الراعي الأجتماعي ملازما ومطابقا ومواكبا على الأقل للآحكام الأجتماعية,أي لاينبغي ان يبقى المواطن على الهامش ويتلقى الأوامر مقدسة دون ان يحاول تفسيرها ويفهم الأسباب التي خلقتها,ودون ان تمنح له فرصة التقييم ودون ان يضعها في ميزان تلك الفكرة التي تغير الأنسان والمحيط على حد سواء.

بقي ان نقول في الأخير وعلى لسان الكاتب(ارثرميللر):في عصر فقدت فيه الدبلوماسية سلطانهما بشكل ملحوظ,فان امكانية الفن التي هي غضة ولكنها باقية,ليتحتم عليها ان تحفظ المجموعة البشرية في وحدة واحدة,فكل ما يمكن ان يشير اليه الى اننا ننتمي الى نفس النوع له قيمة انسانية.

*-ملاحظة: المقال نشر بجريدة المجاهد الأسبوعي/قضايا/2336/09-05-2005

الكاتب والأديب:العقيد بن دحو/ادرار

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق