]]>
خواطر :
سألت البهائم ذئبا دموعه تنهمرُ...ما أبكاك يا ذئب ، أهو العجز أم قلة الحال...في زمن كثرة الذئابُ واشتد فيه الازدحامُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثورة البائسة

بواسطة: ناصر دوادي  |  بتاريخ: 2012-04-17 ، الوقت: 11:29:44
  • تقييم المقالة:

                                           الثــــــورة الـبائــــــــسة  

 

 

هلل الكثير لمقتل العقيد الليبي معمر القذافي بتلك الطريقة البشعة التي تشمئز منها أنفس الرجال ،واستبشروا خيرا بما أسموه النصر على الطاغية وتحرير ليبيا ،وراحت الفضائيات العربية والغربية وعلى رأسها الجزيرة تزف البشرى وكأنها خبر تحرير فلسطين ،فتجد المذيع منهم يطل علينا تعلوه بشائر الفرح والسرور كأنه سيذيع نبأ مقتل شيمون بيريتز.

 

                                              من انتصر على من ؟

 

الحقيقة المرة التي يجب على الليبيين والعرب الإعتراف بها هي أن هذا النصر المزعوم ليس نصراً بالمعنى المعروف، "فالثوار" لم يحققوا أي نصر لأنهم ليسوا هم من قاتل القذافي وليسوا هم من أطاح به ,والكل يعلم أنه لولا الغول الأجنبي وترسانته الحربية لم يكن العقيد ليتزحزح من مكانه ،وهؤلاء الذين حملوا السلاح لم يكونوا إلا أداة طيعة في يد هذا الغول لتحقيق ما جاء من أجله ،وعلى هذا فالنصر الذي يتشدقون به إنما هو نصر للناتو ودول الغرب الحاقد التي أتت لتمتص خيرات ليبيا ،أجل هو نصر للدول الإستعمارية القديمة بقيادة فرنسا وبريطانيا وإيطاليا التي أتت إلى ليبيا ولسان حالها يقول :ها قد عدنا أيها العرب واليوم سنحاربكم بجنودكم وسندوس عليكم بطيب خاطر منكم ,هذا هو الإستعمار بحلته الجديدة وبأياد المسلمين أنفسهم.

 

فلا يأت أحد ما ويقول بأن التدخل السافر في ليبيا كان لأجل سواد عيون الليبيين أو أنهم جاءوا ليحرروا الشعب من قبضة الطاغية لأن مثل هذا الكلام يعد ذريعة لمن لا ذريعة له ،ومن يصدق هذا الهراء فهو إما عميل أو سفيه وما احتلال العراق عنا ببعيد، فبنفس الذريعة دُمر بلد كالعراق ،ونُهبت خيراته، و انتهكت محارمه، ودُنست مقدساته ،وصار مرتعا للأمريكان وعملائهم من الروافض المجوس، وفي المستقبل القريب ستشهد ليبيا نفس ما يجري بالعراق بل أكثر من ذلك بكثير ، ومثلما يترحم العراقيون اليوم على صدام حسين وأيامه سوف يترحم الليبيين على القدافي وأيامه ، فأي نصر هذا الذي يتم بدعم من قوى أطماعها في المنطقة ظاهرة ومعروفة ؟وكيف للطائرات التي تدك معاقل المجاهدين في فلسطين والعراق والشيشان أن تنصر العرب في ليبيا ؟.

 

إن ما حدث في ليبيا ما هو إلا حرب قذرة المنتصر فيها الناتو وكتائبه والخاسر فيها هم العرب أجمعين ,وهاهي دولة عربية أخرى تسقط بيد المتربصين بنا ولن تكون آخر دولة فالدور آت على الجميع.

 

                                                    إجرام في ثوب جهاد

 

إنني هنا لست مدافعا عن القدافي ونظامه، فهو قد ارتكب أخطاءاً جساماً لسنا بصدد ذكرها، ولكن ماقترفه هذا الرجل لا يبرر أبدا أن يقوم "الثوار" بترجي دول الغرب لإعانتهم،و تقديم ليبيا على طبق من ذهب دون أن تفقد هذه الدول جنديا واحدا، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن نغير منكرا بمنكر مثله أو أكبر منه، فالذين حملوا السلاح ضد العقيد لم يتنزهوا عن ارتكاب جرائم عديدة بحجة الجهاد ضد الطاغية وهذا ما صرحت به منظمة "هيومان رايتس ووتش" حيث اتهمت "الثوار" الليبيين بارتكاب حرائق وأعمال نهب وتجاوزات بحق المدنيين خلال ما وصفته بـ"تمردهم المسلح" ضد العقيد معمر القدافي ،وأوضحت المنظمة "أنها شاهدت بعض هذه الأعمال وقابلت شهودا بشأن أعمال أخرى" ،وقالت بأن "الثوار أحرقوا المنازل وألحقوا أضرارا بالممتلكات ونهبوا المستشفيات والمنازل والمتاجر". ولعل أبشع ما قاموا به هو ما تناقلته وسائل الإعلام لحظة اعتقال العقيد واغتياله ، فمَن غير مريضي النفوس يرضى بما حصل ؟ ومَن غير عديمي الإنسانية يبتهج لرؤية مشهد مروع كذلك المشهد؟ ومع ذلك وبكل تبجح تراهم يكبرون ويهللون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ،وهم في الواقع إن كان القدافي قد ظلمهم لم يقوموا إلا باستبدال الظلم بظلم أكبر ،ومواجهة القتل بقتل أبشع وأقذر، وبعد أن كانت "ثورتهم" تحظى بتأييد الشعوب العربية كشفهم الله بأعمالهم وتراجع الكثير من مؤيديهم عن مواقفهم،وعلموا أن ما يحصل في ليبيا هو حرب غربية يغذيها حب القتل والإنتقام ،ولا تمت للإسلام الذي يحملون شعاره بصلة.

قد يقول قائل ويتساءل:لمَ كل هذا التحامل على أناس دفعهم إحساسهم بالظلم للقيام بما قاموا ؟فأقول إنني لست متحاملا على أحد وليس معنى كلامي أنني أقف في جانب العقيد الليبي، أبدا ليس هذا هو المراد ،وإنما أردت أن نحلل ما جرى من أحداث والحكم عليها بميزان الدين والأعراف والإنسانية ، فالثوار أخطئوا بحق أنفسهم إذ سخروا كامل جهدهم  لتحقيق أطماع الغرب التي لا تخفى عن كل ذي لب ،وأخطئوا بحق بلدهم إذ تسببوا بتدمير البنى التحتية ومرافق الحياة فيها، أخطئوا بتصوراتهم الخاطئة عن الجهاد فظنوا أنه هو ما قاموا به من قتل مروع ، ووحشية لا إنسانية بحق أبناء جلدتهم وبدعم من الكفار المشركين أعداء الله ورسوله ، وما علموا أن الجهاد لإعلاء كلمة الله له أخلاقياته وآدابه التي أوصانا بها خير قائد في التاريخ محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم).وليس من شيم المجاهدين في الإسلام تعذيب وضرب وقتل إنسان أعزل ولو كان من المشركين  واقترف أكبر الكبائر ، فما بالك بشخص مسلم .

 

                                    ليبيا بين الطغاة الجدد وأطماع الغرب

 

 إن ما فعله الذين يسمون أنفسهم ثوارا يُنبؤنا بما هو آت في ليبيا ،ويخبرنا عن طبيعة النظام الذي سيتولى زمام الأمور فيها ، هذا النظام الذي ارتكب جرائم بشعة قبل أن يُحكم سيطرته على البلاد والعباد ،هذا النظام الذي عامل المعارضة بأبشع ما يكون ،وقام بتصفية العقيد بطريقة مروعة . اليوم وقد مات العقيد وبلغ الغرب مراده  سوف يسيطر على ليبيا طغاة جدد بإملاءات آتية من أسيادهم في دول الغرب، وسوف تُقسم خيرات الجماهيرية بين دول الإستعمار،وهي الكعكة التي حلموا بها طويلا ولن ينال الشعب الليبي منها إلا الفتات، وسنرى في الأيام القادمة ساركوزي وكامرون يصولان ويجولان في طرابلس وكأنها من تَركة آبائهم، يأمران وينهيان كما يحلو لهما ،  وحينها فقط سيعلم المتمردون أي خطأ ارتكبوا ، وأي مُنقَلَب انقلبوا.

 

 


          


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق