]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صرخة من الصومال!!!

بواسطة: شرحبيل  |  بتاريخ: 2012-04-14 ، الوقت: 09:48:50
  • تقييم المقالة:

قد يتبادر إلى الذهن في الوهلة الأولى أن الصيحة التي تنبعث شرارتها من أرض الصومال إنما هي صرخة عن تلك المصائب والأزمات المزمنة التي تناولها الإعلام بمختلف أنواعه، واتبع في عرضها أساليب متنوعة لمدة عقدين من الزمن، فكادت أن تصبح المآسي والآلام والحروب والصراعات والنزوح والفوضى شيئا عاديا تكيفت به مسامع الناس.

وأصبح الحديث عن الصومال مرادفة لتلك الحماقات التي يرتكبها سفهاء أبنائه، من سفك دماء بعضهم بعضا لسنوات طويلة، أو تلك المجاعات التي تسبقها موجات من الجفاف والقحط بعد أن أكلت الحروب الأخضر واليابس، وأضاعت القبلية والعصبية والنعرات الجاهلية كرامة ومجد الصومال التليد، وأوصلت المجتمع ألى مستويات غاية في الإسفاف.

واتفق معظم شرائح المجتمع بتقاسم السلطة وبناء الحكومة الصومالية على أساس موروثات الثقافة القبلية على مرآى ومسمع من العالم؛ دون أن يزجرهم وازع ديني أو يردعهم حياء إنساني، أويكفهم عن ذلك خلق فاضل.

ولم يكن قصدي الحديث عن منبع أزمة الصومال؛ وإنما أنظر المشكلة الصومالية من زاوية أخرى، ولعل الحديث عن المجاعات ومخيمات اللاجئين وكثرة الحروب؛ جعل الشغل الشاغل للجمعيات الخيرية والهيئات الإسلامية والمحسنين والعلماء والمفكرين ومحبي الخير جميعا يبحثون عن إغاثات عاجلة لتلك الأرواح البريئة، والسعي إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والبلية العظمى قد تعمي عن الصغرى.

فوجئت ذات يوم في سبورة فصل خامس درسا لمادة النحو بعنوان : "المبني والمعرب " فدهشت فنظرت مرة ثانية بعمق وقرأت الأمثلة والخلاصة والأسئلة عند ذلك أصبت بصدمة، أتدرون لماذا أحبتي القراء ؟!

لم تكن دهشتي بعنوان الدرس لصعوبة في شرحه ولا لسهولته، ولم تكن حيرتي مدى تناسب الدرس للطلاب وعدم تناسبه، ولكن مما أذهلني هو أن هذا الدرس وبنفس العبارات والكلمات وحتى التمارين درست قبل بضعة أيام للصف العاشر الثانوي، ومما زاد غرابتي هي بعد تتبعي واستقرائي أن كلا المفردات المقررة للصفين متطابقة تماما !

وبعد أيام قلائل فوجئت ببعض الطلاب الثانوية الذين يدرسون المدرسة في الفترة الصباحية يحضرون مساءا، سألتهم سبب مجيئهم، فأجابوا أنهم يدرسون دورة تقوية لمادتي اللغة الإنجليزية والرياضيات.

 

وتساءلت لماذا لا تضاف اللغة العربية إلى هذه الدورة ؟ علما أنها من أصعب المواد عليهم، وأن معظمهم أوجميعهم لا يودون ولاينوون مواصلة تعلمها فيما بعد الثانوية، بذريعة أن من يتعلمها لا يجد فرصة عمل، وتلقائيا يؤمن الطالب أن اللغة الإنجليزية هي لغة الرزق ولغة المواد العلمية وأن لا حظ لمن يفني عمره في اللغة العربية.

وفي الصبح لقيت مدير المدرسة وقابلته في مكتبه وسألت عن شأن أولئك الطلاب وطرحت عليه تلك الأسئلة التي كانت تدور في ذهني، وأجاب المدير ببساطة أن أهل اللغة الإنجليزية يدعمون لغتهم وأنهم يدفعون كل تكاليف الدورة وقدموا هذا المشروع عن طريق الوزارة(وزارة التربية والتعليم في بنت لاند)، ولأجل ذلك يستفيدون من هذه الفرصة القائمة، ولاعيب في تعلم الإنجليزية ولا الرياضيات بل نشجع أبناءنا الطلاب أن يجيدوا هاتين المادتين وغيرهما لكن نطلب منهم أن لا يكون ذلك على حساب القيم الإسلامية والهوية الثقافية والعرف الوطني .

ومما أجبرني بإرسال نداء عاجل أنني خفت على الجيل القادم أن يضيع وراء ثقافة اللغة التي ولع بها، لأن كل لغة تحمل في طياتها ثقافة أمتها وعُرف ذويها وعادات أصحابها، مما يجعلنا أمام تحد كبير أثناء تعليمها لأبنائنا ويوجب علينا غربلة كل هذا عن اللغة، ونحن في هذا الأزمة نشترك مع جميع الأمة العربية وما حافظ إبراهيم وصرخته ورسالته إلى هذه الأمة عنا ببعيد، وذلك بعد أن عرض محاسن اللغة العربية كقوله على لسانها :

وسعت كتاب الله لفظا وغاية وماضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟؟

واتجهت صوب اللغات العجمية وعلى رأسها الإنجليزية :

أيهجرني قومي - عفا الله عنهم - إلى لغة لم تتصل برواة

سرت لوثة الأعاجم فيها كما سرى لعاب الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة مشكلة الألوان مختلفات

وفي الختام أرسل حافظ نداء إلى العرب والمسلمين :

 

إلى معشر الكتاب والجمع حافل بسطت رجائي بعد بسط شكاتي

وبناء على هذا وذاك وتأسفي مما يحدث في ارض الواقع، وغيرتي للغتي وإخلاصي لأمتي ووطني حملت هذا النداء العاجل إلى كل الشرفاء من الأمة الإسلامية والعربية، متضمنا أن الشعب الصومالي بحاجة ماسة إلى مساعدة عاجلة لمقاومة الأفكار الدخيلة مع اللغات الأجنبية ومساعدتهم للإحتفاظ بهويتهم وثقافتهم، وأرى أن المؤسسات الخيرية ينبغي أن تروج لهذه الفكرة، وتبحث عن مشاريع لإحياء التراث الإسلامي والعربي؛ علّها تحد آذانا صاغية ورجالا محسنين، ومتبرعين، ولن تفقد الأمة العربية رجالاتها الغيورين والمتمسكين بقيمهم الإسلامية وهويتهم العربية.

وفي هذا المقام أذكر لقيط بن يعمر الإيادي العربي الذي عاش في زمن الجاهلية في كنف كسرى كاتبا له؛ إذ عزم كسرى على تدمير قوم كاتبه وإبادتهم، وأمر كاتبه أن يكتب كتابا يطمئن قومه ويخدعهم، لكنّ لقيطا أبى إلا أن يعرف مؤامرة كسرى قومه وينذرهم وكان شاعرا يتمتع بسداد الرأي والغيرة :

أبلغ إيادا وخلّل في سراتهم أنّي أرى الرأي إن لم يعص قد نصعا

يا لهف نفسي إن كانت أموركم شـتّى وأحكم أمرالناس فاجتمعا

مالي أراكم نياما في بلهنية وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا

فاشفوا غليلي برأي منكم حصد يصبح فؤادي به ريان قد نقعا

إلى أن قال :

هذا كتابي إليكم والنذير معا لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا

وقد بذلت لكم نصحي بلا دخل فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق