]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حربكم حربنا......!!!!!

بواسطة: wilden  |  بتاريخ: 2012-04-09 ، الوقت: 15:47:04
  • تقييم المقالة:

حربُكم حربُنا.... !!!!

بقلم:ولدان

بعد انتهاء دوام المدرسة الذي بدى في ذلك اليوم أطول مما هو عليه عادة، اجتمعت الشِّلَّةُ المكوَّنةُ من خمس صبايا وثلاثة صبيان أمام باب المدرسة، كان الجو غائماً مضغُوطاَ ودافئاً بطريقةٍ مريبة عَكَسَ تماماً ما بدى على الملامِحِ الغاضبة والمتجهمة المرسومة على وُجوههم والمختلطةِ بحماسةٍ غريبةٍ مُتقدة لم يعهدوا أن عايشوا مثلها ولكنهم سمعوا عن وجودها وعن امكانية اختلاجها لصدورهم في يوم ما، نظرا لتشبعهم من الروح الوطنية والقومية التي دأبت وزارة التعليم على غرسها في نفوسهم وعقولهم منذ السنوات الاولى لاندماجهم في نهج التعليم الابتدائي والذي دعمته سياسة التلفزيون التي كانت لا تبخل على مشاهديها بإعادة وتكرار الأفلام البطولية لثورة التحرير وتبيان قيمة الوطن وحب الحرية ونبذ الظلم والتسلط والاعتداء، مشوا جنبا الى جنب في خط مستقيم على امتداد عرض الطريق الذي تعالت فيه أبواق السيارات هنا وهناك اِحتجاجا على سد وتعطيل حركة المرور، كان كل واحد منهم قد أعدَّ في اللَّيلةِ السَّابقة لافتاتٍ تفنَّنَ في كتابة شعارات تكبره بعقود ولكنها كانت خلاصة ما تشبع به عقله الصغير وما استطاع استيعابه من أحداث أعلنت عنها النشرات الاخبارية المحدودة في تلك الأيام، ولعل أبرز ما تداول من شعارات خُطَّت بألوان ساذجة على أوراق كارتونية تحمل عباراتُها دعم ومساندة البراءة غير المشروطة لنظام عربي اسلامي ضد معتدي كافر كان أبرزها " جيش، شعب معك يا صدام"، و " أصدم أصدم يا صدام نحنا معاك للأمام" وغيرها من الجمل التي كانت تردد بلهجة عامية تضفي على العبارات قوة وهيبة وحماسة................ إتفق الأولاد على موعد محدد، الساعة السادسة مساءً، على الكل أن يستعد ويجلب معه ما استطاع من معارف وأقرباء وزملاء للمشاركة في المسيرة التي وضعت مريم خط سيرها وحددت شوارعه وتفرعاته، إصطف في الساحة الرئيسية للحي قرابة الاربعين طفل لا تتجاوز اعمارهم سن العاشرة، يتقدمهم في الصف الأمامي من كُلِّف بحمل اللاَّفتات الكبيرة، كانت الشِّلَّة تتقدم  ببطء، اليدُ في اليد وتصيح بصوت موحد عالي مردِّدَةً ما كُتب على اللاَّفتات بدون كلل أو عجزٍ أو مللٍ، كان كل واحد من الأولاد يشعر بالخوف وكأن خطر الغزو والحرب يتهدده في بيته ووطنه، لم يكن مجرد خوف، بل كان ايمانا لا يشوبه شكٌ بأن العدو واحد والمصير واحد والخسائر واحدة، وبالرغم من صغر سنهم وبراءة افكارهم ومحدودية اطِّلاعِهِم على المُستجدات وضآلة فهمهم لتشابكات السياسة الدولية، إلاّ ان الصغار لم يعبؤُوا بما تُمليه الاستراتيجية ولا الحلول الدبلوماسية ولم يكترثوا لإتجاه الرأي العام بين مُسانِدٍ ومُعَارِضٍ، بل كانت فكرةُ استعانةِ دولةٍ مسلمة بدولةٍ كافرة لضرب دولة مسلمة في حد ذاتها جُرمُ لا يُغتفر ولا يحتاجُ لا لتحليلات ولا لذرائع ليُبرِّر شرعيته.....

ظلَّ الأولاد على تلك الحال أياماً أُخرى، فتارةً يكتمِلُ تِعدادُ الشِّلَّة ويحضُر صابر وكريم ويوسف مرفوقين بأخواتهم آسيا ومريم وفوزية إضافة الى انضمام منى ومنال، وتارةً أُخرى ينقصِرُ الحُضُور على الفتيات فقط،  بعد أن ينصرف الفتية الى القيام بنشاطات ذكورية محضة.

وهكذا مرَّت الأزمات ومرَّ الزمنُ وتشابهت ردود أفعال الأولاد ولم تتغيَّر بِتغيُّر الظروف....... لكن العالم تغيَّر بعدها وتغيَّرت مبادئُه وتحوَّلت اِتجاهاتُه، وصار الكل تابعاً لنمطٍ مُبرمج لثقافةٍ هجينة غريبة وسريعة، فتغيَّرت السياسات واِندمجت وتصارعت على ما يجب مواكبته وما لا يجب اِتباعه، فتفشَّت التفاهةُ في عُقُول الصغار والكبار على سواء، واِنشغلت الحُشود الكبيرة بتقليد ما يُبث من برامج ترفيهية تزيد من حدَّة البلاهة المُكتسبة وتُعمِّقُ من شدة التخدير المُزمِن، فلا وعيَ ولاغيرة ولا خوفَ حتَّى من المحتُوم، فاِختفى زمنُ التطلُّع الى القادة ومُناصرتهم بعدما انقرضوا وتلاشوا الواحد تلو الآخر، وأزيحت فكرة المصير الواحد من العُقول بعدما فقدت حرارتها من القلوب.

 بعد عشرين سنة، اِكتفت الشِّلَّةُ المُخَضرَمَة  برُؤية ما تحوَّل إليهِ العالمُ، وما صار عليه حالُ الجيل الجديد،  وتحسَّرَت على أفول شُعلة القومية بعدما برد الدم الحار وتخثر في العروق  وتحول شعار حربُكم حربُنا الى حربُكم حربُكم..... !!!!!!    

  


« المقالة السابقة
  • الملك الحزين | 2012-04-11
    كنا فعلا شجعانا و غير انانيين و لا نرضخ لأوامر الغرب- هدا الأخير الدي اصبح يقود العالم و بإسم الديموقراطية و الحرية إنقلب الشعب على حكامه و اصبح من الصعب التفكير في الحرب احيانا و خوضها بكل بساطة احيانا اخرى. و هنا تظهر المبادئ و اغراض الحروب. فمن وراء هده التقلبات -- الله أعلم...
  • نورالدين عفان | 2012-04-09
    الاخت ولدان .....تزامنت كتابة احداث قصتك مع حلول الذكرى التاسعة لإحتلال بغداد عاصمة العراق ورغم ان ماكتبتي بالتأكيد كنتي تقصدين به الحرب الأولى أي بداية العام 1991 .وذكرتني تلك الشعارات وتلك التجمعات الصبيانية ماكنت انا بالفعل افعله انا وابناء حينا من اقراني وكيف كنت البس الالبسة التي تدل على دولة العراق الشقيق ....وكيف كنا نجلس لنتكلم ونناقش ونحلل الاحداث الساعات الطوال ونستغرب لوقوف دول عربية شقيقة ضد صدام ومااكثر ماردننا اصدم اصدم ياصدام حنا معاك للامام ....دمر تل أبيب والنصر يكون قريب......احداث لاتنسى ومواقف وعواطف ذكرتني بها .....لم يبقى منها شيئ تبخرت بتبخر أحلامنا الوحدوية على مستوى الافكار والشعور ....شكرا لك على ماامتعتنا به وعلى ماذكرتنا به اسلوب رائع وراقي يكفي انني غصت واندمجت بعمق مع ماكتبتي .......تحياتي 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق