]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نسائم الخاطر 3-قلب نبيل-بقلم الاستاذ كمال طيرشي

بواسطة: طيرشي  |  بتاريخ: 2012-04-08 ، الوقت: 14:24:27
  • تقييم المقالة:

*  قلب نبيل *

كانت أول مدرسة تعلمت فيها فنون حياتي هي والدتي , و سمعتها أكثر من مرة تردد عبارة لم افقهكنهها, فحينها كنت صغيرا , و لم ينضج عقلي بعد على فهم مثل هكذا عبارات , و أخالها نابعة من قلب صادق , و الله على ما أقول شهيد , قالت "إن القلوب النبيلة تبقى حية الى الأبد" , و تبدوا و للوهلة الاولى عبارة تنضخ بكل معاني الحياة و السمو في ابهى حلته , فلما صرت شابا يافعا بدأت  تحمل معنى عميقا في كياني , تتلبس بها حكايات حزينة , و أخرى تناساها الدهر و لم تعد تتفوه بها ألسنة المكدودين من أمثالي اللهم إلا كعبرات نقية , صبتها افئدة البشر الصادقين الذين لا يحملون حقدا في قلوبهم , او اولئك الذين جبلوا على تحري الصدق ما داموا أحياء, لكنكم قد تحارون السبب الذي حداني الى تذكرها الان في هاته اللحظة , و ما علاقتها بحياتي , أصدقكم قولا ذكرتني اياها عبارة كتبها لي احد أصدقائي المقربين الذين ما فتئت ابث اليهم شكواي و همومي , و احادثهم أسراري و ألغازي , و أحد اعز رفقاء دربي يدعى حميد , كان شخصا طيبا , شديد الالتزام و التخلق , يتوهج وجهه نورا و ضياءا , و كان متيما بالقراءة الى ابعد الحدود , يقرأ عن كل شيء , عن الفلسفة , عن الادب , عن السياسة , عن الحب , عن الرعب , عن الخيال , عن كل ما يتمكن من قراءته في كل لحظة , و في أي لحظة , خطتها أنامله على صحيفة كان قد انهى قراءتها للتو , مقتبسة من مثل شعبي قديم يقول " لن ينال الخبز إلا الرجل الكادح " , تأملت هاته العبارة تأملا عميقا , و اصارحكم للأسف لم افقه كثيرا مما تقوله هاته الاخيرة , و أظن الارهاق و التعب هما اللذان غلباه و أخذا به الى كتابة هاته العبارة , التي تفيض بالآهات و العذابات , و تعبر احسن تعبير عن الشقاء في الحياة , و لكن أنى للقلوب الضعيفة أن تحصل فحواها و تفك طلاسمها و الغازها , و الغريب أن هذا المثل ينطبق على كل إنسان في هذا الوجود , لا يدان له بتحصيل رزقه الا بالكد و النكد , و الجهد و التعب , و منازعة الحياة حلوها و مرها , و لا يحتاج مني كل هذا التفكير و التأمل ,و اعجب لصاحبي يرددها على لسانه في كل وقت و حين , خصوصا حينما يرى منظرا لا يروقه , او يجد شخصا سفيها يسب الدنيا , و الدهر و يتبعهما اللعنات , و لكنني مستغرب فحتى الذي لا يعمل و لا يجتهد ينال هو الاخر الخبز , بل اكثر من الخبز , بل قد ينال كرامة و مجدا و فخرا ,و عز ما بعده عز , فالشمس تشرق على الطيب و الشرير معا , و المطر تنزل على ذوي القلوب الضيقة , و كذاك على القلوب الكبيرة ايضا , لكنني مع مرور الزمن تيقنت و بجلائية تامة المغزى الحقيقي لهاته العبارة و امثالها و قطعت جزوما ما يختلج من عبرات في مكامن هاته الجملة التي تحمل معنى شعوري عميق , تقشعر منه الانفس العظام , و تتوجس منه خيفة القلوب الضعاف , و تشغف به حبا القلوب النبيلة , إنه معنى التضحية , حينما أكدح لأجلب الرزق لأبنائي شيء , و حين أكدح لأكل الخبز شيء اخر , و المفارقة بينهما واسعة , فالكدح بغية شيء يؤخذ مني ليعطى للآخر العاجز أو المريض ..الخ , حينما يكون هناك قلق يؤرقني و يأخذ بمجامع فؤادي بين التضحية أو الاستكانة و اللامبالاة بما قد يسوء اليه الحال, أو حينما يتملكني خوف شديد اثناء الكدح أو اقف تحت وطأة التهديد , أو أنني غني ميسور الحال , و لكنني ملزم بالكدح لأجلب الخبز لمن هم في أمس الحاجة إليه , أو يتملكني إيمان عميق بضرورة مساعدة اولئك  المستضعفين , المقهورين , أو  حتى المذلين من البشر , إن مثل هذه العبارة كمثل السيف ذي الحدين يذبح حينا و ينقذ و يعين الناس أحايينا كثيرة , فيه بأس شديد و منافع للناس , هذه العبارة ذكرتني بحكاية بليغة لازلت ارويها لأحبتي و اصدقائي بين الفينة و الاخرى , هي قصة شاب مدمن على  المخدرات , يبغضه الناس وقد ابتعدوا عنه , و لم يعد يحتمله أحد ,فصار منبوذا متروكا , يعبث به الزمن , و تتخبطه الاحزان و الهموم في كل وقت و حين ,  دفعته ظروف عائلية قاهرة   إلى تناول الممنوعات , فنظر البشر اليه نظرة ملؤها الازدراء و الاحتقار, لكنه بصدق كان يحمل قلبا نبيلا , مفعما , مترفعا , سؤددي , منزه عن الدنايا , صافيا , نقيا , من كوادر و شوائب الحقد , و الحسد , و الضغينة , و البغضاء , و اتذكر حادثته جيدا , لان وقعها على مملكتي ذاتي جليل,  فلا الكلمة البسيطة قادرة أن تعبر عن كنهه و لب مقاصده البتة , فبينا أنا سائر في الطريق عائد من صومعتي التعبدية كالعادة , و قصة الصومعة سأتحين الوقت لأرويها لكم لاحقا , قلت... و إذا بي ألمح عجوزا طاعنة في السن , تمشي بصعوبة كبيرة و كأنها تحمل أثقالا كثيرة على كتفها , و بمحاذاتها شاب الظاهر أنه في سن الثلاثين , و يبدوا عليه التضايق و العبوس , فأخذ يلقفها بعبارات نابية يندى لها الجبين , و هي تتأوه و تحن متوسلة إياه أن يعينها لأنها غير قادرة على السير بمفردها , و المرض أفناها , و أخذت قواها تخر , و لم تعد قادرة  على السير بمفردها , و تبين بعد هنيهة أنه ابنها , و لا تزال تترجاه أن يعينها على المضي , و إذا به يقول لها , هيا أسرعي , فلم أعد احتملك , و احتمل تأوهاتك , ليتك قضيتي نحبك فنرتاح منك نهائيا , ثم أخذ يركلها بأقصى ما يملك من قوة و هي تصرخ و تنادي الناس أن يساعدوها , و إذا بصاحب القلب النبيل يظهر فجأة من بين الزفرات و الصرخات , منقضا على ابن العجوز الشمطاء يلكمه بقوة , ثم أخذ يجره إلى ساحة قريبة من مكان الحادثة , يصرخ و يحادثه بنبرة حادة ملؤها الغيض و الحزن , كواعظ ديني اشرقت الارض نورا بمجيئه , و انفرجت هموم الدنيا ترحابا بقدومه , و هامت أفئدة المغبونين شوقا اليه , و  اسعدت الثقلين لقدومه , و حارت الثكالى لأصله , كأنما ملاك تنزل من السماء حاملا البشرى لمريم البتول , و لم اسمع من عبراته إلا كلمة "أهكذا ترد الدين يا خبيث لأمك؟", كان وقعها علي عظيم و اشهدكم الله على ما أقول ,لكن ومع ذلك استولت على نفسي طمأنينة رائعة , على نحو ما يحدث في تلك اللحظات , حتى أنني أهملت و همشت ملكاتي و مواهبي , فلاشك أني عاجز الان عن رسم اي مشهد مما رأيت و مهما كان يسيرا في غمرة اللحظة الانية ,و ادعوا الله ان تكون هاته الصورة التي رأيتها مرآة روحي , و لذا تجدني في هاته اللحظات مفزوعا , يراودني شعور غريب لا اجد له تفسيرا , متلثما  تحت عباءة  هذه الرؤى و رهابتها , و لست أدري ما سر جاذبية صاحب القلب النبيل للناس , فالكثير منهم استلطفوه و ربطوا انفسهم به , و إن استفسرت عن ماهية هؤلاء الناس , لاجبتك أنهم بشر كسائر الناس , الذين نراهم في كل مكان في هذا العالم الفسيح ,فالكائنات البشرية متشابهة في رتابتها حقيقة ,و ما اشعر به الان هو ملكات كثيرة هاجعة في اعماقي , قابعة لا سبيل لها بمفارقتي , و لكم يؤثر في بواطن نفسيتي هذا الأمر بصورة فضيعة , و لكنكم قد تسيئون فهمي ,يطاردني إحساس بأن الذي رأيته للتو ماهو إلا حلم عابر , او اضغاث احلام لا سبيل للتعبير عنها بتأويل , أقول حينما أتأمل هذا الحادث كله –صه؟؟- يا كياني لا يدان لك بالكلام , فألوذ بالصمت , و افحص وجودي , و بعد بضع لحظات إذا بسيارة إسعاف و سيارات الشرطة تقف أمام الحادثة , شاب ابن الثلاثين ينزف دما , وذا القلب النبيل مكبل بالأصفاد و الشرطة تأخذه الى السيارة , و هو يبتسم و نور يشع من وجهه كنور ملاك تجسد في صورة بشر , سار بخطا ثابتة و هو يحمل كل معاني الشهامة و العز في قلبه النبيل , الذي لا يرضى للذل مكانا , و لا للظلم سبيلا , مشى راضيا عن نفسه أكثر من أي وقت مضى , و أمارات السعادة منشرحة في صدره , سمعت من أحد أقربائي أنه حكم على ذا القلب النبيل بالإعدام , و ان الحكم سينفذ بعد خمس أشهر من الان , و أنه سيعدم في وسط البلدة التي نقطن بها لسنون طوال , هالني حاله كثيرا , و ما ضقت طعم النوم مذ رأيت الحادثة أمام عيني كشاهد عيان, ذرفت دمعا و أي دمع على فتى استقبحه الناس , و شوهوا صورته لكل انسان , إن سألتهم عنه يقولون بالحرف الواحد يستحق هذا , شخص مكروه كهذا ليته لم يولد و لم يتجلى وجوده في الحياة , وصف عادي لمن ينظر أمام عينيه , و كلام عامي لمن اعتادت نفوسهم رؤية اشباه هؤلاء من المجرمين الذين يقول الناس عنهم دائما , "ندعوا الله ان يخلص المجتمع منهم" , فهم عار المجتمع و سبب انهياره , اشخاص برءوا انفسهم من المساءلة و الحساب و اعتبروها نفوسا طاهرة نقية اعرف بالحلال و الحرام, أزكيك يا ذا القلب النبيل و ابكي مصابي لفقد من هم من امثالك من البشر الذي أعياهم الحنين و الوجد الا ان يفيقوا على اشباه هؤلاء من البشر المعجبون بأجسادهم , التواقون بنفوسهم , استسمحكم فقد وقع بصري على مكان طاهر نقي اشتم فيه عبق العزلة والسكينة , هناك حيث اشرب قهوتي , و أطالع كتبي , و قد ساقتني الصدف الى ذلك المكان الرائق البديع فوجدته خاليا كسماء صافية , ثم جلست قدام شجرة ذابلة و بكل حبور أمسكت قلما و وورقه و عمدت لرسم صورة مالك القلب النبيل ارثي مصابي فيه , و اكتب عنه عبارات الحزن و المرارة ,  و لكأني اسمع ذلك الشاب الدافئ القلب يرتل ترنيمة خالدة فيها يقول "النبل شيء رائع حقيقة , و لكن يجب أن يكون في نطاق محدود" , اه ..يا صاحبي اعذرني ’ لماذا لا يتجلى فيض النبل إلا نادرا جدا , أظن يا صديقي أن ضعاف النفوس من الناس قد أقاموا المتاريس و السدود كي يصدوا ذلك الخطر الماحق الذي يطلقون عليه مجازا –النبل-  , و أناي المريضة في خلوتها تنادي, ولسان حالها يقول دائما ا ه ؟ لك يا ذاتي مما يصطرخ داخلك , تأوهات و تأوهات...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق