]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نسائم الخاطر 2--خلوة ذات متألمة-بقلم الاستاذ كمال طيرشي

بواسطة: طيرشي  |  بتاريخ: 2012-04-08 ، الوقت: 14:23:03
  • تقييم المقالة:

خلوة ذات متأوهة   

استيقضت في الصباح الباكر كالعادة مثقلا مكدودا , ترتسم على محيايا صورة الشارد التائه في غيابات الأحزان , منتظرا انبجاس نور الفرح الذي أراه قد ولى و ما عاد يتوق رؤيتي منذ الان , ارتشفت قهوتي تلك التي ما فتأت  تحضرها أمي بنوع من الساحرية و الهناء , أصوات المارة تسمع بين الفينة و الاخرى , و صوت الطفل الصغير الذي جرت العادة أن يصرخ دلعا عند رؤيته أمي و هي مشغولة في المطبخ يدوي أرجاء البيت الذي نقطن به لسنون طوال , نزلت الشارع بخطى ثابتة , و أمارات الرهبة تتوجس بي , و كأن شيئا غريبا سيحدث عما قريب , نوبة جيدة من نوبات التأمل الباطني تسري في غيايات جب نفسيتي , و اهات الكدر تلاحقني بكل ما اوتيت من عزم و قوة , و ها أنذا في مقهى قريب من منزلنا , متصفحا جريدة الصباح كالعادة و ما تحمله من أخبار العابثين ممن جبلوا على الكذب و النفاق , و تنميق الحياة و تزويقها بنوع من الاسترسال في الكلام ,و مفاخرة في العطاء و الولاء , رجال السياسة , أرباب الأعمال , علامات تجارية ...,أشعر بنوع من الضيق في صدري أخالني سأنهض من مكاني تاركا الجريدة على طاولة في المقهى , قاذفا

اياها بكل صنوف اللعنات و التجديف , و اه.. من تجديف لو كان يسمع الحي قبل الميت ,بدأت الرعشة تسري في جسمي أظنها حالات الغيض تعود ادراجها الي حاملة كل انماط الغبن و المرارة , فضيعة بقدر نافخ الكير , مانخوليا تنخر جوهر نفسي و ما ادري لها سببا اللهم إلا  ما تعلمته من بعض الأطباء من متلازمة الكابة و حالات التعب الشديد و اعراضه , سرت بخطا ثابتة وحالات القشعريرة تسري في جسدي كعادتها توقفني عن الحراك حينا و تبطئ خطايا أحايينا , بينا أنا أسير في الشارع عائدا الى البيت ارتسمت في مخيلتي أفكار كثيرة عن الماضي السحيق و عن مأثره العتيقة , و حنين يجذبني اليه بصورة لا تطيقها عقول البشرية ان هي افلتت من قبضة اليأس و حطت رحالها على دروب السؤدد الذي يروج لأفكار الرحابة و الوجد و ابتهالات الفرح و الشوق , غربة ما بعدها غربة , و بعاد و ما أنغصه من بعاد , نسج خيوطه بكل احترافية فخيمت كظلل من الغمام , اسمع تسابيح ترتل على أمد بعيد , وصلوات التائهين تبكي مصابها و تناجي مولاها لعل و عسى يفرج كربتها و يشفي مرضها و يسقي عطشاها , راودتني اثناء مسيري حكايات و حكايات هبت نسائمها فياحة تنعش قلب كل محزون , و تشفي غليل كل مكروب , حكاية شاب صارع المرض بكل إنية , و لم تسمع الامه إلا كأنين هادئ صامت , إمتزجت ترانيمه ونوتاته بأزيز الأنا و صرخات النفس التي ما عادت تقدر على الصبر أكثر مما كلفت بطاقته , مرض لم يقتدر الاطباء على علاجه , و حارت عقول الألباب عن ولوج غياهبه , وشخصت ابصار العارفين طلبا و مناجاة للقدير العلي عسى ان يشفيه و يثلج صدره , لا تزال ذكراه تشجبها الاحزان اينما وليت و اينما ذهبت , لا يغادر ذهني و لا يهنى لي بال إلا و اردفت قصته حاكيا لكل من اثق فيه و اكتم سري في خالجه , إسمه فادي , و اعتدنا أن نطلق عليه هذا الاسم منذ الطفولة , عاش حياة طبيعية ككل طفل , و مرت عليه هاته المرحلة على خير حال , كان من المتفوقين في الدراسة بل من الممتازين الذين يحصدون الجوائز في المدرسة في كل وقت و حين , و سارت به الايام و الليالي , الى أن بلغ سن العشرين , و ما أدراك ما سن العشرين , شباب و قوة و عنفوان , طموح و عزم و ارادة , أحلام وردية ونظرة ثاقبة لما هو آت من غادر الايام , تحصل على شهادة الثانوية العامة بتفوق , و سار ادراجه الى الجامعة , و بعد اشهر من دخوله هاته الاخيرة حتى تغيرت ملامحه , و سار يبعد مجلسنا كثيرا ,و ما نراه إلا نادرا , و ان جالسناه يغشاه الصمت , و تتربص به السكينة , و يظهر عليه الهدوء التام , و لا يتكلم إلا نادرا , و ان تكلم تتلمس في كلامه زفرات تخرج من بين الصلب و الترائب , كأن فاجعة عظيمة ألمت به , و مصابا جللا أثر فيه و غبنه , كنت حينها أتربص بفادي كثيرا و أحاول كل مرة أن اتقصى سبب ما احل به , عامدا في ذلك الى كل الوان الحيل , و طرائق الكلام و التنميق و الاسترسال ما الله اعلم بها , و لكن كل شيء باء بالفشل , و كل محاولاتي ذهبت سدى , و أخالني قد دنوت من الاستسلام , أذهب كعادتي في كل مرة الى حيث يقطن و أناديه فيخرج أحد اخوته قائلا لي ليس هنا لقد خرج منذ حين , عد في وقت لاحق علك تجده , و إذا وجدته أجده يسير وحيدا يركل الحصى برجليه , تائها غائبا عن الوعي , سابحا بعقله في ملكوت أناه , شاخصا بعينيه باحثا عن شيء ما اضاعه أو ينتظر مجيئه يوما ما , غريب لا أدري لماذا اتبعه دائما الى اي مكان يذهب اليه و لا أدري سبب كل هذا الاهتمام به , صراحة و لاول مرة اصارح ذاتي بهكذا تعبير أجده ذاتي و هي هائمة شاردة في البراري تبحث عن عنوان لكتابها , أو لونا لصورتها , أو لحنا لصوتها , أو رداءا تستر به عريها , أجدني فيه مرتسما , و حين اصفه أجد ني في كل جزء من أجزاءه أنادي و أتأوه بكل ما أوتيت من قوة قائلا ماذا يحصل لي؟, لماذا أتعذب بهذه الصورة ؟ , أين أنا ؟ و لا أجد جوابا مقنعا لسؤالي ؟, هل من منجي سينجيني من محنتي , و هل من طبيب قادر على مداواة علتي , و هل من حكيم سينصحني , و هل من أم ستحن علي و ترحمني , و هل من معلم سيعلمني و ينورني بالعلم و يخلصني من ظلمة الجهلاء , أتذكر يوما تكلم معي بكلمات عذبة الحانها, فياضة ترانيمها, اخاذة معانيها , صادقة تعابيرها , قال لي حينها يا اخي العزيز أكمل حياتك لا تراعي حالي و مالي , تنعم بما ستشرق به عليك الايام و لا تلتفت الي فيصيبك ما اصابني , كانت تعابيره تنخر جسدي كلما تلفظ بها , و تسابيح كلامه تشبه كلام اليسوع و هو يحاور حوارييه و هم خاشعين هائمين لما يقول من عبق الكلمات و صفاءها و نقاء منبعها الصافي الرقراق الذي ينهل منه كل متشوق ولهان الى حبيب يؤانسه في غربته , أظنني غير قادر على فهمك و تأويل فحوى كلامك , أشك في قدرتي على مجاراة عذاباتك فأنت احس بالجمرة التي اكتويت بها , انت تحادثني بلغة لا يفهمها إلا من هو في زمرتك , اعذرني لا أملك الأهلية لأحذق كنه مقالك , ليس لي من الحصافة و قوة الفهامة ما يعزز قدرتي على فك طلاسم ألغازك المبهمة , و مع ذلك فلست بقادر على تركك تتأوه وحيدا و قد غادرك الأهل و الأصحاب , و بعد عنك الاخلاء , فما تسمع لهم حسا , و لا ترقب لهم زيارة أو مجيئا , أراك يا ااوخي سرحان في الفيافي , ضمأن من العطش , ملأن من كأس الوجع , سامحني إن فرطت فيك يوما و لم ارعاك , فحالك تغيض كل من يملك قلبا نبيلا عطوفا, و حنانك يسري في عروقي , أناجيك في خلوتي , يا أملي لم تخون وعدي , و يا زجرتي على فؤاد تأكل بفعل الحزن الشديد الغادر , ابتهلت و صليت دعوت و تهجدت , بكيت حينها بالغدو و الاصال , حملت أوزارا من زينة الحياة فما رقبت ,و عذبت بالسواط و أنا أئن , لا أحد يسمعني إلا أناي ترقب حالي و ما تفارقني , و حين أعبر لا أذن صاغية لكلامي , و حين أعزف نغمة لا ملحن لنوتاتي , و حين اصرخ لا صدى يردد صرخاتي , فواجع الدهر تخطتني و أنا بعيدا عنها , و صورة الأسى تنقش على وجهي بأبهى صورة , و تدثرت بدثار الأحزان , و عظموا مصابي و أنا في غمرات من العذاب و الناس المعزون يدخلون علي من كل باب , و لسان حال سلام عليكم طبتم , أين كنتم قبل هذا , الان افتكرتموني , و اين كنتم حين كنت اصارع معه المرض , و اصطبر على حالي من الكدر , سألوني عن سبب الوفاة مستغربين , فأجبتهم لا تستغربوا من قضاء الله و قدره , لم يفقهوا بوفاته سببا , سكتتة دماغية حددها الاطباء من أهل الاختصاص , أما أنا فاعتبرها حالة ليس للطب يدان بمعالجتها , كلن الاجدر ان يقولوا مات و كفى على ان يؤولوا الكلام المصطفى , مات فادي و قصته لن تموت , و جرح فادي لن يندمل , لسان حالي يقول دائما ا ه ؟ لك يا ذاتي مما يصطرخ داخلك , تأوهات و تأوهات...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق