]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نسائم الخاطر 1-بقلم الاستاذ كمال طيرشي-تأوهات الأم العطوف-

بواسطة: طيرشي  |  بتاريخ: 2012-04-08 ، الوقت: 14:21:28
  • تقييم المقالة:

= تأوهات سيدتي "الأم العطوف"

ما زلت كالعادة افكر بلا هوادة فيما يجب ان اكتب , و لا يزال اولئك الاشخاص المنتظرين ينشدون هاته الكتابات التي ستخرج اليهم في حلة بهية يستمتع كل ذي  قلب نبيل بقراءتها في كل لحظة او بين هنيهة و اخرى , نهضت كالعادة في الصباح الباكر و تثاقل شديد في رأسي لا ادري له سببا ذهبت الى اطباء كثر , و كل واحد منهم يصورني شخصا لا علة به اللهم الا بعض اتعاب من اوزار هموم الانا و الذات التي ما فتئت تثقل كاهلي بما جبلت عليه من فضاضة و قساوة كبيريتين , أنا شاب في مقتبل العمر , هادئ احبذ الامان و الاسقرار في كل بؤرة من بؤر هذا العالم الفسيح , ذو قلب كبير ربما البعض يخالفني في مثل هكذا تقدير , الا انني في كل مرة احاول ان اكون علاقات جديدة بين اشخاص اعرفهم او اشخاص عرفتهم و طوتهم ذاكرتي التي بدأ حنين الذات يخرب نعشها , و يواسي مصابها , حزين ولو ان البعض يجدني شخصا سعيدا جدا لما يرتسم على محياي من عبرات الوجد و ضحكات غابرة تنعش افئدة المكدودين من اشباهي و امثالي , لا اكذبكم قولا لكن هاته هي حالي , اتذكر جيدا يوما سألني فيه احد اقربائي عن اسعد لحظات حياتي و اكثرها رونقا و زهاءا , و اتذكرني اجبته حينها بانها تلك التي اجلس فيها وحيدا في غرفة داكنة بها ضوء خافت استمع الى الحان خالدة تطرب مسامعي و تداعب جوانيتي , أتأمل فيها بعض الكتابات النبيلة التي خطتها انامل بعض المؤلفين المغمورين الحنونين على الفراق او المتأوهين من الام و اهات الحياة و صعابها , او اولئك الذين شبوا على كثرة الاستماع الى خلدونهم الداخلي و ما يمليه عليهم من عذابات الانا و صولات و جولات الخاطر , استسمحكم فقد تذكرت لحظة عبرت فؤادي و لا زلت اتذكرها بين الفينة و الاخرى  , في يوم من الايام و بينا أنا اقرأ كالعادة بعض كتب المكدودين من الكتاب النبلاء , إذا بي استلهم احد عبراتهم الخالدة خطها احدهم بكل اخلاص و نقشها على مدوناته بعطر فواح يشم اريجه كل ذواق ,يبكي مصابه و اي مصاب يطلق عليها في مدونته السيدة الأم العطوف , و اورد لكم بعضا منها ** بم تشعرين يا سيدة قلبي الحزين امي , اخالك تتماثلين للشفاء فقد طمأنني طبيبك بأن الورم تم استئصاله و انت في فترة نقاهة و سرعان ما تعودين الى سالف حياتك قوية كما اعتدنا على رؤياك , فنحن لا يدان لنا بفقدك فلا أمل للحياة من دونك و لا طعم لدنيا من دونك , ارجوك فلا تتركينا نهيم في غيابات الضلال و التيه من دونك , فردت السيدة الام العطوف قائلة * بني لكم من مرة تقاربني الوفاة و انجوا , و كم مرة استفيق و اخال نفسي انتقلت الى الرفيق الاعلى , و كم مرة شعرت بألم فضيع يقطع اوصالي , فما ان اغفوا من سباتي حتى يغمى علي و انا في ظلمة العذاب و اهات الالام , لكنني الان يا بني المطيع استسمحك ان تعذرني , فحالي من كوامني و دواخلي يخون جسدي , و احس بأن روحي بدأت تودع جثماني , و فقدت الشعور بساقاي , وغصة و مرارة شديدتين تغرغران في حنجرتي , و قلبي يخفت ببطئ لا اكاد اسمعه , و اصوات المارة في الشارع تبدوا قوية جدا لا تحتملها مسامعي , و اشعر إاني ثقيلة جدا اثقلت الارض بجسمي و ما عادت تطيقني عليها , و صوتك يا بني بدأ يخبوا و لا اسمع منه الا كلمة أمي السيدة العطوف التي ما فتئت ترددها دوما على مسامعي ,بني هل تسمعني ؟ , امي أنا هنا انا معك لا يدان لي بمفارقتك ابدا , انا معك ارجوك لا تموتي فمن دونك انا نكرة تعبث بها الايام الخوالي , و من دونك أنا في سجن كبير لا أمل البتة في الخروج منه , و حتى و ان خرجت اخرج عليلا مريضا سقيما اتأوه و أي اهات , و من يسمعها من دونك و ان سمعوها فلن يفهموا من فحواها شيئا , يا سيدتي العطوف أمي ارجوك لا تتركيني , اه...اظنك لا تفهميني و انت في غمرات الإحتضار , و قد التفت الساق بالساق , و تتأهبين للرحيل و المساق الى ربك العزيز القهار , وكم من دمعة ستنهمر في سبيل اطفاء الحرقة التي تشتعل في قلبي المحزون , و كم من عبارة ستخطها أناملي في سبيل التعبير عما يفيض به الوجدان , و كم من سهاد سيأرقني و عيناي سابحتين بين الأنهار و البحار , كلمات اتفوه بها يفيض من خلالها الدمع , و اصوات البكاء تصيح و سماعها يدوي البراري , أناي من الداخل ترسم صورتك باقلام جافة , و الوان داكنة , و الواح تنقش عليها علامات ملؤها الحزن و المرارة , و ذاتي مدانة و بأي دين على رقبة مكدود يراقب و بعذاب احتضار امه و قد خرت قواها و هدأ صوتها الذي كان قبلا تصدر عنه ضجة كبيرة يسمعها حتى الجيران , سيدتي , سيدتي ...؟؟ هل تسمعينني ؟ امي ..امي ...ارجوك لا تموتي .... أنا وحدي حينما كنت اواسيكي و أناي تؤنب ضميري و انا بعيد عنك , قرب ملكوتك مني فصار كله إني , فما صرت أرى نفسي إلا فيك . و لا ترين انت نفسك الا في , اين أناي و أين أناك إن هما الا أثنان قبعتها في واحد . فيا لزفراتي و با لأوجاعي , اوصالي ممزقة مقطعة , و كتفاي مثقلتان من عظم هول ما رأيت , لماذا ابتعدتم عني يا اصحابي , و اين انتم يا رفقائي , بالامس كنتم من اصفيائي و هاأنتم اليوم من فرقائي , واسيتموني و انا بين ظهرانيكم لما كانت أمي حية , و غادرتموني و نفسي تتوق الى الحنين يعوض مصابي و يلطف روع حالي و مألي ...

 أتذكر جيدا هاته التسابيح الوجدية و الترانيم الروحية, هي واحدة من عديد ذكريات تروى بين الفينة و الاخرى بفاه صاحبنا سمير , ذلك المتأمل الشارد في الفيافي , هي واحدة من كثير ابتهالات و اهات و تأوهات تصدر من صميم أنا معذبة , عبث بها الدهر حينا , و الاحزان احيينا كثيرة , ذكراه مع أمه لا تزال تجوب خواطري دائما , حين أكون سرحان تائه بعقلي ابحث عن معنى لحياتي , أو حين أفكر في الغد القريب و ما سيحمله من هموم جديدة أعمد للتأقلم معها بما اقتدرت إلى ذلك سبيلا , وفاة أم سمير كانت صورة مصغرة , و تصوير بليغ لحياة ذات تعذبت في سبيل أن تبقى حية تنضخ أاتم معاني الحياة العتيدة , أيا لهفي و لهف كياني على كنه يفيض بالصرخات , و ما تنطفئ عذاباته إلا بضلل من الغم و هالة من كدر الاحزان , صخب الأوجاع  ..

هي قصة واحدة طواها النسيان و لاتزال قصص كثيرة تنتظر من يرويها و يعيد احياءها من جديد و بثوب رائق زهي بهي الطلعة, اها كدت أن انسى حادثة رواها لي أحد اصدقائي المقربين عن وفاة اخته الصغيرة فلذة كبد والديه , و أعز إخوته الى قلبه بثينة طفلة لم تبلغ سن الخامسة , جميلة بهية الطلعة , خفيفة الظل , شعرها أحمر اللون , زرقاء العينين , صغيرة الفم , معتدلة القامة , تحب السفر كثيرا , و مدمنة على مشاهدة رسوم الكرتون , كثيرة الضحك , و مشاغبة كثيرا , و في يوم من الأيام ساءت حالتها و اغمي عليها , و دخلت في غيبوبة , صعب على الاطباء كشف حالتها , و يبدوا انها حالة مستعصية جدا حتى على ذوو الخبرة من الاطباء , و بعد تحاليل كثيرة و فحوصات اشعاعية تم تشخيص حالة مرضها , وجدوا ورما خبيثا في مخها , و ردوه لأسباب وراثية , حملته عن اجدادها ممن انتشر فيهم هذا المرض العضال , يصور لي صديقي لما سمع بمرض اخته حالته النفسية بصورة مريعة حقيقة لا تزال تعابيرها تحوم خواطري , و تجوب مكامن نفسيتي , و تعبث بعقلي , و تنغص حياتي كلما تذكرتها بين الفينة و الاخرى , دعني ارتل لك بعضا من تأوهاته ** كان وقع الصدمة علي عظيم , فأنا إبن الخامسة و العشرين لا علم لي باسرار الامراض و لا بعضال الداء , و لكني صرخت من جوانيتي صرخة معذب أنزلت عليه شتى صنوف العذابات , و جابهته شتى انواع المحن و المصائب , و أهالت عليه ضربا  المهانات و المذلات , أختاه يا عزيزة أمها و يا كبدة أباها , و يا لب فؤادي , أبكي حالك إن أوذيت , و أكفر الداء إن هو أصابك , و أحبوا على ركبتاي طلبا للمعونة فداءا لك , فليس لنا من حنين في الدنيا غيرك , و لا أنيس في البيت إلا صورتك , أتضرع بخضوع و خنوع  عسى أن يكون دعائي من الدعاء المسموع  , ذاتي تصرخ من الداخل , و كياني مخضب بالدماء , وصورتها لا تغادر مخيلتي , و روحي مهمومه بالأوهام , أبكيك كل لحظة و حين , و اخط بقلمي عبق نسماتك , و ارسم وجهك الجميل في عيناي , و أندب حالي أن أنت فارقتنا إلى ابد الآبدين , و هيهات لدعاء من سامع و هيهات لابتهالي من مجيب , ماتت اختي بين ذراعي و هي تنازع المرض الخبيث , تتأوه من فضاعة الألم , و صورة اليأس مرتسمة على محيا والديها اللذين علما سلفا بقرب أجلها و قرب وداعها , غادرتنا بلا رجعة , وودعتنا من دون وعد باللقيا , سافرت إلى مكان بعيد , تحمل وراءها ذكريات كثيرة قبعت في غياهب الأحزان ,و سجلتها ذاكرتنا في كتاب مفتوح يعج بالكلمات الصاخبات , اه ثم اه على فقدك ايتها الغالية , ورحمك الله رحمة من عنده , و تغمدك الله بفيض رحماته , و أدخلك فسيح جناته.**

في كل مرة أتذكر قصة من هاته القصص التي تهيج بالتأوهات و الآهات و الصرخات , ذوات تتوق الى تملك الاشياء خاصتها , و أنواة تهيم باحثة عن سبل السعادة و راحة البال , و أخرى تعبر احسن تعبير و تبتهل احسن ابتهال , تخط ترانيم خالدة بخطوط منمقة و صوت ملحون عذب تتمايل معه الأشجار و تغرد معه العصافير في أعشاشها , لسان حالها يقول دائما ا ه ؟ لك يا ذاتي مما يصطرخ داخلك , تأوهات و تأوهات...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق