]]>
خواطر :
إني أرى في عينك براءة الذئابُ ... على ضفاف الوديانُ في الفرائسُ تنتظرُ و تنقضضُ ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . لا تلز نفسك بأشياء لا تلزمك حتى لا تقع في الحيرة   (إزدهار) . 

تاريخٌ آخر

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-04-06 ، الوقت: 21:34:41
  • تقييم المقالة:

تاريخٌ آخر

 

محمد الحداد   العراق

جرثومةُ دوسنتاريا لا يُمكنُ لعينٍ أن تراها صنعتْ لصانعِ التاريخ الانجليزي الأشهر توينبي تاريخه..رسمتْ لهُ مستقبلا مُغايراً آخرَ حينما تسببتْ في فشلهِ في اختبار اللياقةِ العسكرية ولم يُصبح ضابطاً كما كان يتمنى ووقفتْ حائلاً بينهُ وبين الموتِ مع رفاقهِ الذين قُتلوا جميعاً في سبيلِ بلادهِ أثناء الحربِ العالميةِ الأولى..و لآخرِ يومٍ من حياتهِ..ظلَّ توينبي يتذكرُ ذلك قائلاً:كان من الممكنِ أن أموتَ مثلهم لولا ذلكَ المرضِ اللعين!

جرثومةُ إسهالٍ مماثلة يُقالُ أنها قهرتْ أحلامَ نابليون وأوقفتْ عنجهيتهُ العسكرية وتسببتْ في خسارتهِ في معركةِ واترلو الشهيرة.

فشلٌ آخر تكررَ مِراراً لهتلر في زمانٍ ومكانٍ مختلفين في اختباراتِ الرسمِ للدخولِ إلى مدرسةِ الفنونِ الجميلة..فشلٌ أرغمَ الرجلَ أن يُغيّرَ مسارهُ ويطوي إلى الأبدِ حلمهُ في أنْ يُصبحَ رسّاماً..لكنهُ جعلَ منهُ دكتاتور ألمانيا النازية!

مللُ ستالين من حياةِ الكهنةِ الرتيب قتلَ سلامهُ الروحي وأخرجهُ من الكنيسةِ ومنعهُ أن يُصبحَ راهباً فكان عِوضاً عن ذلك جزّار روسيا الأكبر وأبشع طغاتها على الإطلاق!

قطرتا جهلٍ وفقرٍ في عينيّ الصبي طه حسين أطفأتا فيهما النورَ إلى الأبد لكنهما صنعتا منهُ ألمعَ كاتبٍ في عصرهِ..أنارَ بقلمهِ عُتمة سماء الأدبِ العربي دون مُنازع..

مُفارقاتٌ غريبة كهذهِ تمتلئُ بها صفحاتُ التاريخِ...أحداثٌ لم نعي أسرارَ تشكلها بعد ولم نستوعبْ حقيقة مُسبباتها كما يجب وانْ خضنا في تفاصيلها..منعطفاتٌ تاريخية حتمية ربّما غيّرتْ مسارَ أمةٍ أو جيلٍ أو شعب.

في أحيانٍ كثيرةٍ يحلو لي أنْ أرسمَ ظلاً وهمياً لتاريخٍ مُبرم أعطى لأحداثهِ صفة ثباتٍ قطعي..أحاولُ أن أسيحَ بذاكرةٍ أخرى غير مُدونةٍ في رحلةٍ صوبَ ماضٍ لم يحدث..ماضٍ يمتزجُ فيهِ غبارُ التاريخِ بترابِ الجغرافيا برائحةِ الناس..رحلة تستعيرُ من مَعينِ الخيالِ أحداثاً أخرى بديلة..مغايرة لحقيقةِ ما حصل بالفعل.

أسألُ نفسي مثلاً:

ماذا لو...أنَّ توينبي صانعَ التاريخ لم يُصَبْ بالدوسنتاريا أصلاً واجتاز اختبار اللياقةِ بنجاح؟هل لنا أنْ نتخيلهُ ضابطاً في صفوفِ الجيش الانجليزي...مشروعُ قتيلٍ كان يمكنُ ببساطةٍ أنْ يطويَهُ النسيانُ بأجنحتهِ الرثة؟أيةُ مفارقةٍ عجيبةٍ في أنْ تهيئهُ الأقدارُ رغماً عنهُ عِوضاً عن ذلكلظروفٍ أخرى يُصبحُ فيها توينبي أكبرَ مؤرخٍ تُنجبهُ بريطانيا كلها؟

ماذا لو...أنَّ ستالين أصبح بالفعلِ كاهناً أرثوذكسياً كآلافِ الكهنةِ الذين تغصُّ بهم كاتدرائياتِ روسيا وكنائسها؟كانت أمهُ تُعدُّهُ منذ طفولتهِ ليُصبحَ كذلك بالفعل..لكن أيّ مصيرٍ آخر كان يُمكنُ لخيالها أنْ يتصورهُ لإبنها غير أنْ يكونَ جزّاراً بشرياً أدخلَ بلادهُ نفقاً كارثياً لم يخرج منهُ أبداً؟

ماذا لو...أنّ هتلر بجرةِ قلمٍ أكاديمية نجحَ في إحدى اختباراتِ الرسم وأصبح رسّاماً كما كان يحلم؟ربّما يجهلُ الكثيرون أنّ هتلر رسمَ في تلكَ المرحلةِ القلقةِ من حياتهِ ما يقرب من 1500لوحة لا تُخطيء العينُ ما تركَ فيها من لمساتٍ فنيةٍ رائعة تُفصحُ عن بصمةِ فنانٍ حقيقيّ لم يبتسم لهُ القدر..لوحاتٌ لا تزالُ محفوظة إلى اليومِ يفترشُ قسمٌ منها جدرانَ المتحف البريطاني ويتوزعُ الباقي بين عاشقي التحف و جامعي النوادر..مَن يدري ربّما لو تمَّ لهُ ذلكَ النجاح الفني لما استبدلَ لاحقاً ذلك الجمالِ الذي نثرهُ في لوحاتهِ الكثيرةِ التي رسمها في صِباهُ وشبابه..بلوحةٍ قاتمةٍ واحدة رسمَ فيها العالمَ كما أوحى لهُ عقلهُ المريض آنذاك..لوحة مصبوغة بلونِ الدم تفترشها جثثُ ضحاياه..

عدا ذلك..كان والدُ هتلر يتمنى لأبنهِ أن يُصبحَ موظفاً في قِطاعِ الدولةِ العام..ماذا لو أنهُ حقّقَ لأبيهِ أمنيتهُ تلك على الأقل؟

ماذا لو...لم يُصَبْ طه حسين في طفولتهِ بالعمى؟هل كانَ سيُصبحُ فلّاحاً لا يختلفُ بشيءٍ عن غيرهِ من فلاحي أرياف مصر وغيطانها الذين تنهشهم مخالبُ الجوعِ والجهلِ والشقاء؟

ما الذي كان سيحدثُ لو...أنَّ صدام عاش في كنَفِ أبيهِ ولم يذقْ يُتمهُ وهو جنينٌ في بطنِ أمه..ولم يحملْ معهُ عقدتي الأب والأم معاً طوال عمرهِ؟ماذا لو أنهُ لم يهربْ إلى مصرَ عام 1959بعد حادثةِ اغتيال عبد الكريم قاسم الفاشلة و أكملَ دراستهُ الثانوية في العراق ليُصبحَ موظفاً في إحدى دوائر الدولة؟بعد ذلك...ماذا كان سيحدث للمنطقةِ برمتها لو أنهُ لم يستجبْ لطلبِ شاه إيران بطردِ الخميني من العراق إلى باريس عام 1978حينما كان نائباً للبكر؟لو لم يقمْ لاحقاً بترحيلِ مئاتِ الألوف من العراقيين إلى إيران..لو لم يقتلْ الصدر الأول..لو لم يحتلْ الكويت...ما الذي سيهبهُ الخيالُ لنا من وقائعَ وأحداثٍ أخرى بديلة لتجيبنا عن جميع هذهِ الأسئلة وغيرها؟ لو..لو..لو...

هذه ال( لو)البطِرةِ التي ظلتْ طوال التاريخ تفتحُ عملَ الشيطان والتي تصدرتْ أسئلتنا المحرضة..على غرابتها هي ذاتها ربما ستغدو محاولة جادة لفهمٍ جديد يفتحُ أبواباً ونوافذ كثيرة كان يُمكنُ لها أنْ تظلَّ موصدة لولا ذلك الإغراء المجنون بنبشِ أسئلةٍ غريبةٍ كهذهِ تستدرجُ بحثاً مُغايراً نطالعُ فيهِ حفنة أسرارٍ لم يُتحْ لها أساساً فرصة الوجود ليتكاملَ تشكلها فيسجلها قلم التاريخ..أسئلة ستعبثُ في ثباتِ معنىً تطامنتْ الوقائعُ في سردهِ..و ستزلزلُ لهُ ذاكرته.

بعد ذلك...هي محاولة في الجدوى مما يُظنُّ ألاّ جدوى منه..لا يوازيها في شطحاتِ الخيال إلا إثم أنْ يُفترى على التاريخِ ما لم يكتبهُ أو أن يُتقولَ عنهُ ما لم يقلهُ لولا سلامةِ النيةِ ونبلِ المَقصد.. لكنها أيضاً ستعيننا على أنْ نفهمَ أكثر كيف يُصنع التاريخ..ستجعلنا نطيلُ التأملَ في الميكانزمية التي يتشكلُ بموجبها حدثٌ ما ضمن مجموعةٍ من الأحداث..محاولة ستجعلنا نفهمُ كيف تتظافر عوامل مساعدة كثيرة لتهيأ ذلك الحدث دون غيره..مثلُ حباتِ مسبحةٍ لا يمكن أن يتكاملَ شكلها إلا بالتئامها واحدة تلو الأخرى بتقاطرٍ هندسيٍّ مُتقن..

دائماً..كان لتأثيرِ عامل ما زماني أو مكاني أو حتى نفسي دون غيرهِ..الدور الحاسم في سجلِّ أحداثِ التاريخ كما دونتهُ أناملُ مؤرخيهِ عبرَ رحلتهِ الطويلة.. بكلمةٍ أو موقفٍ أو تصرفٍ أو سلوكٍ أو حدسٍ أو توقيت...مصائرُ مغيبة كانت تفترشُ فجأة أرضَ الحدثِ كقدرٍ يسوقُ النواصي بلمسةٍ عجيبةٍ من مهمازهِ الخفي..كي تُصرفَ الأبصارُ صوبَ ذلك الحدث ليستحوذ على المشهدِ برمتهِ فيكون لِضربةِ سيفٍ أو قدحةِ نارٍ أو شرطةِ مبضعٍ أو لفظةِ لسانٍ أو ضغطةِ زرٍ أو جرةِ قلمٍ كلمة الفصل الأخيرة!

كأن قانوناً خفياً ما.. يحكمُ تعدد الاحتمالاتِ المُفضيةِ إلى حدثٍ بعينهِ..ينظمُ سيرها جنباً إلى جنب مع أحداثٍ أخرى كثيرة يبدو أنَّ لامناصَ من نفاذِ أحدها كي يلبسَ ثيابَ الممكنِ ويُلفَّ كلّ ما سواهُ بكفنِ المستحيل..شيءٌ أشبه ما يكون بقانونِ تدافعٍ تكونُ الغلبة فيهِ لذلك الحدثِ الأوحد دون غيره..حدث يُمكنهُ أخيراً أن يفترشَ لهُ مسرباً آمناً يعبرُ عليهِ صوبَ كينونتهِ التي سيدونها لهُ التاريخ.

نخلصُ مما سبق أنَّ غائياتٍ مُبهمة تستولدُ سلسلة طويلة من الخياراتِ تُساقُ من قِبلِ مؤثراتٍ وعوامل عديدة تفضي دائماً إلى تحولاتٍ اجتماعيةٍ...أحياناً تبدأ صغيرةً لكنها سرعانَ ما تدخلُ دوامة أكبر تنتهي بها إلى تحولاتٍ سياسيةٍ كبرى بتراتبٍ منطقي لتُنجبَ آخر الأمر أشخاصاً بعينهم في زمنٍ بعينهِ ليصنعوا حدثاً بعينهِ لا يمكن لسواهم أن يصنعونه أبداً!

حقاً كلُّ ما في التاريخ يدعو للعجب..صناعتهُ..كتابتهُ..قراءتهُ..لكنَّ        الأعجب من كلِّ ذلك إهماله...أو نسيانه تماماً..لذا نحسبُ أنَّ أسئلتنا الغريبة تلك وغيرها مما لا يمكنُ إحصاءهُ ستبدو محاولة غير تقليدية لتقليبِ صفحاتِ تاريخٍ آخر..محاولة تنظرُ إليهِ بعيونٍ أخرى لا تكتفي بقراءةِ ما في سِفرهِ الكبير من عِبَرٍ لا تنفذ فحسب..بل يمكن أن تجعلنا نُحلّق أيضاً في سماءٍ لا حدود لها وتمكننا من تأملِ وقائعَ بديلةٍ سيتم التعاطي معها كما لو أنها حصلتْ بالفعل بعونٍ من خيالٍ لا ينضب سيتماهى طويلاً مع وعيِّ ذلك التاريخ الآخر الذي وئدتْ فرصُ وجودهِ قبل ولادتهِ ودُفنَ تحت ترابِ احتمالاتٍ عقيمةٍ كان يمكنُ لها بيسرٍ أنْ ترى النور...إلا أنَّ أسباباً أعقد من أنْ نعيَها ألقتْ بها في غياهبِ الغيوب حتى استحالَ على العقولِ أنْ تُسلّمَ بنقيضها. 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق