]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الشِّعر والإبداع مقال أدبي ( علاء البربري )

بواسطة: الشاعر والناقد علاء البربري  |  بتاريخ: 2012-04-01 ، الوقت: 02:19:13
  • تقييم المقالة:

 

كثيرةٌ هي القصائد التي نقرأها وقلَّما تعجبنا قصيدة رغم هذا الكمّ من القصائد التي تطالعنا في الدواوين الشِّعرية أو في الدوريات أو في المجموعات الأدبية والمنتديات على صفحات الشبكات الخاصة بالتواصل الاجتماعي.

ويعود السرُّ في ذلك أن هذه المنشورات الكثيرة تخلو من الابتكار..معظمها مكرر ومنقول ..عن آخرين ..وهذا يبرر لنا قلة العباقرة من الشِّعراء رغم أنَّ الشِّعراء في الوطن العربي كثيرون جدا ..ناهيك عن المدعين من الشِّعراء الذين يفتقدون للموهبة ..ويصفون أنفسهم بالشِّعراء .

فعلى الشاعر الذي يبحث عن التفرد أن يكون طامحا نحو التجديد والابتكار ..وهذا لا يتسنى إلا بالعمل الجاد والكدِّ ..فهناك عدة شروط في المبدع حتى يكون مبتكرًا :

-  أولها: أن يرفض أن يكون نسخة مكررة من أحد ...فكثيرًا ما نجد قصائد ما هي إلا نصوص منقولة عن شعراء كبار ..وصاحب النص يكتفي بتكرار ما قاله غيره ..وهذا بالطبع لا يعطي أية قيمة جديدة على الإطلاق وهولاء الشِّعراء يحفرون قبورهم بأنفسهم فلن يكون لهم وجود حقيقي في عالم الإبداع ولن يذكرهم التاريخ بشيء  فآلاف الشِّعراء نقرأ لهم ولكن القليل منهم من يرضينا ويمتعنا   .

-  ثمَّ وجود الموهبة الحقيقة والطاقة الشِّعرية الخَالقة والمُبتكرة ..والتي تتمكن من إنتاج نص ٍ أصيل يعبر عن صاحبه ويحمل سماته ..ويترجم تجربته .

-  ثم الاطلاع الدائم والمستمر ومتابعة القراءة لكبار الشِّعراء ومتابعة الإنتاج النقدي والثقافي وتشعب القراءة في ميادين المعرفة حتى تتوسع مدارك المبدع وتتفتح أمامه مجالات الإبداع.

-  ألا يجتر الشِّاعر المعاني القديمة والصور الشِّعرية المستهلكة والأكليشيهات الجاهزة في نصه بل عليه أن يتعمق داخل اللغة ويغوص فيها بحثا عن المفردات والتعابير والصور الشِّعرية التي تحتوى على طاقات فنية جديدة ودلالات ثرية ليشحن بها نصه  .

-  أن يحاول الشاعر أن يربك المتلقي بلغته وصوره الشِّعرية من خلال عقد علاقات جديدة بين مفردات اللغة والطبيعة ..فلا يستساغ مثلا لشاعر معاصر أن يكتفي بأن يشبه الحبيبة بالقمر في صورة ساذجة كالتي قالها القدماء ...ولكن انظر لصورة أبي االسياب  حينما يصيف عينا حبيبته قائلا ً : 

-        أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ . عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ

-        أو قول نزار :

-        بلقيس يا عطرا بذاكرتي

ويا قبرا يسافر في الغمام

..........

ويا دمعًا ينقِّطُ فوق أهداب ِ الكمان

 

-  أن ينسى الشَّاعر كل ما قرأ وكل ما حفظ من الشِّعر ،، وكان الشاعر قديما حينما يرى في نفسه بوادر الشاعرية يذهب لشيوخ الشِّعراء والنقاد ..فيعرض عليهم نفسه كشاعر فإذا لمسوا فيه الشاعرية طلبوا من أن يذهب ليرافق الشِّعراء الكبار ويروي عنهم ..وقال أحدهم لشاعر ناشئ احفظ عشرة آلاف بيت من الشِّعر ثم انسها ...

وهنا يفرض السؤال نفسه لم َ يحفظ كل هذا الكم من الشِّعر ؟ ولم ينسه؟

والإجابة ببساطة ...أنه يتوجب عليه حفظ هذا الكم من الأشعار حتى تستوي السليقة لديه ويستقيم الطبع ويتزود بمعجم شعري ثري يكون في متناوله حينما يحتاجه ..وكذلك يدرب لسانه وأذنه وذوقه على موسيقى الشِّعر فيستطيع معرفه ألوان الموسيقى المختلفة وبحور الشِّعر ..وقوافيه المتباينة ..

 

والشق الثاني من السؤال ..لم يتوجب عليه نسيان ذلك الكم الذي حفظه من الشِّعر ؟

وللإجابة على ذلك يجب أن نعرف أن التذكر من أشدِّ أعداء الإبداع  لأن الشاعر لو قرأ نصا وأعجبه وراح بعدها يكتب نصا سنجده لا شكَّ يحمل نفس سمات النص الذي كان يقرأه لأنه ما زال عالقا في وجدانه  ومن هنا يجب نسيان الشاعر لما حفظه حتى لا يكون نسخة مكررة لما قرأه وحفظه..وأتذكر أني في بداية حياتي الأكاديمية كنت مع أستاذي المشرف على رسالتي للماجستير وحذرني بشدة من الدراسات السابقة عن موضوعي ...وقال لي :( إياك والدراسات السابقة ) لابد أن نكون نفسك ( علاء ) وتعبر عن رأيك ولا تردد ما قاله السابقون ... ومن هنا نحيت الدراسات السابقة جانبا وشرعت في تناول الموضوع محل الدراسة بالنقد والتحليل حتى كونت رؤية شاملة وبعدها تطرقت للدراسات السابقة بعدما تبلورت رؤيتي فاتفقت مع بعضها واختلفت مع الآخر حتى أذكر أني اختلفت مع الأستاذ الدكتور شوقي ضيف وأيدت رأيي بالعديد من الأدلة والشواهد ... 

وفي أثناء المناقشة انتقدني أحد الأساتذة أعضاء لجنة الحكم بأنني لم أقف طويلا أمام الدراسات السابقة وبعد أن قدمت ردي عليه وقف أستاذي ..طويلا أمام هذا الانتقاد وقال هذه نقطة تحسب للباحث لا عليه لأنه استطاع مبكرا أن يعتمد على ذاته في تكوين رؤيته الذاتية وهذا دليل على تمكنه وقدرته على التحليل والنقد .

-  على المبدع أن يقرأ كثيرا ويكتب قليلاً فليس المهم بالكم بل المهم بمقدار ما يضيفه النص من قيم جمالية ..فبعض الشعراء يعرف بقصيدة واحدة ورغم ذلك يذكره التاريخ لان قصيدة تتوافر فيها القيم الجمالية والشروط التي تجعلها تعيش عبر الزمان .فعلى المبدع قبل أن يطرح نصه للمتلقي أن يسأل نفسه سؤالاً ما الجديد الذي يقدمه هذا النص ،، فلابد أن يقدم كل نص قيمة جديدة حتى يضمن لنفسه الانتشار والبقاء .

وفي النهاية ما عرضته ليس إلا مجموعة من الآراء تعير عن وجهة نظري من خلال تجربتي الإبداعية والأكاديمية...وهي ليست ملزمة ولا تدعي لنفسها أنها  كلمة الفصل  ..لأنَ الكلمة الأخيرة غير واردة في عالم الأدب ..وأرجو أن ينال المقال إعجابكم ويقدم بعض الفائدة ..فهذا ما أطمح إليه وهذا ما دفعني لتدوينه ..فأن حقق بعض طموحاته فلله الحمد والمنَّة وإن كانت الأخرى فيكفيني أنني حاولت ..أن أقدم بعض الفائدة .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق