]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نفتقد ثقافة المخيم في ذكرى معركته العاشرة

بواسطة: سري سمور  |  بتاريخ: 2012-03-31 ، الوقت: 10:34:40
  • تقييم المقالة:

نفتقد ثقافة المخيم في ذكرى معركته العاشرة كتبه: سري سمور

عشر سنين كانت زاخرة بالأحداث والتطورات محليا وإقليميا ودوليا...عشر سنين استشهد خلالها من استشهد، واعتقل من اعتقل، ومن المعتـقلين من بـقي حتى الآن وراء القضبان، ومنهم من خرج سواء بانقضاء محكوميته أو بإفراجات أو ضمن صفـقة شاليط...عشر سنين هدمت فيها بيوت المخيم وأعيد بناؤها من جديد..عشر سنين كبر فيها كثير من الأطفال وغدوا شبابا...عشر سنين مرت على معركة نيسان/أبريل 2002م على أرض مخيم جنين.

هذا المقال ليس لاستعراض تاريخ أو حيثيات وتـفصيلات المعركة والتغني ببطولات والـفخر بتضحيات؛ فقد كتب في هذا السياق الكثير، وأنتجت أفلام ومسلسلات وثائقية وتسجيلية ودرامية تناولت المعركة، وقد كان المخيم لفترة ملهما للشعراء الذين نظموا القصائد والفنانين والرسامين الذين أخرجوا لوحات تمجّدها وتحاكيها...هذه المعركة التي قال عنها أبو عمار بأنها جنين غراد مستوحيا صمود ومقاومة مدينة ستالينغراد(فولفوغراد) أثناء الهجوم النازي عليها في الحرب العالمية الثانية، أما الإسرائيليون فقد قالوا هي «مسادا» فلسطينية مستوحين قصة -يتفرّدون بروايتها- عن انتحار جماعي لمتمردين يهود حاصرهم الرومان في قلعة تحمل اسم مسادا قرب البحر الميت سنة 70م علما بأن المقاومين في المخيم لم ينتحروا، لكن الاحتلال يرى أن مقاومتهم لجيشه الجرّار المدجج بكل العتاد والسلاح ضرب من ضروب الانتحار، حيث أن تقارير عدة قالت بأن الآليات التي جاءت لاحتلال مخيم جنين في نيسان 2002م أكثر من تلك التي احتلت الضفة الغربية بأسرها في حزيران 1967م...إلا أن هذا ليس  محور حديثي هنا؛ بل هو حديث أشبه ببكائية ورثاء ثـقافة غابت وأرجو ألا تكون قد تلاشت واندثرت تماما وباتت تاريخا يحاكي الأساطير!

لقد كان للمخيم ثـقافته الخاصة التي بـزّ فيها كل المناطق الأخرى؛ إنها ثـقافة الوحدة في خندق المواجهة، والاستعداد الفعلي للمعركة بكل ما هو متاح دون الاكتفاء بشعارات وتهديدات وعنتريات فارغة؛ فمخيم جنين امتزجت فيه دماء الشهداء من فتح وحماس والجهاد وغيرهم، وكان التنافس بين جميع الأطراف عنوانه من يضحي أكثر، ومن يسبب الألم للاحتلال ويؤرقه أكثر، ومن يكون صاحب الضربة الموجعة أكثر من الآخر...نعم في ذلك تنافس المتنافسون في فترة جاد بها زمان صعب مليء بالتعقيدات...لقد تعايش الجميع مع الخلاف السياسي الذي لم يكن منسيا ولا غائبا فحوّلوه إلى وحدة وتناغم في سياق قاسم مشترك أعظم وأهم وهو المقاومة والمواجهة والصمود والتحدي، وفق الحكمة الرائعة «اصنع من الليمون شرابا حلوا»...هكذا كان مخيم جنين حالة نادرة وأسوة حسنة وواحة خضراء في صحراء التنابذ والشقاق وثـقافة تقديم غير المهم على المهم أو إبراز المهم وتغييب أو تناسي ما هو أهم...وليس ثمة مبالغة في الأمر لدرجة أنه قيل أن شهيدا من كتائب الأقصى قد تكون بندقيته من كتائب القسام وذخيرتها من سرايا القدس وبالعكس...لقد كانت حالة من التفاني في الفداء والتضحية ومنافسة شريفة ونسأل الله أن يكونوا ممن نالوا محبة الله تعالى التي تأتي وفق الآية الكريمة«إن الله يحب الذين يـقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص».

ففي أوقات المواجهة والتصدي تؤجل الخلافات السياسية، بل إن المواجهة تبني أرضية سياسية جديدة مشتركة...والمحور الثاني في ثـقافة المخيم هو الإعداد المستمر للمعركة واستخلاص العبر من محاولات اقتحام سبقتها، وعدم الركون إلى فرقعات التهديد والوعيد عبر الفضائيات دون أن يكون للتهديدات ما يسندها على أرض الواقع مما جعل دخول جيش الاحتلال إلى مخيم جنين ليس نزهة فعلا، فقد أقرن المخيم القول والتهديد بفعل وواقع ملموس، وغدا المخيم محجّا أو ملاذا لكثير ممن يرغبون في المقاومة من مناطق مجاورة أو محافظات أخرى حتى أن الاحتلال وصفه بعش الدبابير...وقد عبر أحد جنود الاحتلال المصابين عن الأمر أمام شاشة التلفزة بالقول:في مخيم جنين كل شيء ينفجر..البيوت تنفجر..السيارات تنفجر..مواسير المياه والمجاري تنفجر..كل شيء ينفجر!...وقال جنود آخرون بأنهم كانوا ينتظرون الموت والخطر رابضا في كل زقاق وداخل كل بيت وخلف كل جدار!

وحتى لا أكون قد أفرطت وابتعدت عن الواقعية وأوغلت في مثالية حالمة فإنه كانت أحيانا تحدث احتكاكات وخلافات تتطور إلى تلاسن أو حتى شجار بين مختلف القوى، بيد أن هذه المشكلات كانت أشبه بسحابة صيف عابرة، حيث كان العقلاء والمخلصون والغيورون يسارعون إلى تطويق أي مشكلة لأنهم يدركون خطورتها على وضع المخيم الذي أصبح منذ بواكير عام 2001م حالة فريدة ومتميزة في انتفاضة الأقصى.

ونقف اليوم على الأطلال ونتغنى بالأمجاد والبطولات فيما نـفـتـقد الأهم أي الثقافة التي صنعت تلك الأمجاد والبطولات؛ ثـقافة مخيم جنين التي كانت كيمياء مرحلة ناصعة في تاريخ نضال وجهاد وصمود الشعب الفلسطيني...وللأسف فإن المشهد اليوم يبدو محزنا ومحبطا ومثبطا، ولو قدر للشهداء أن يعودوا للدنيا لأسفوا على الحال والمآل، وسمعت بأن الأسرى الكبار أيضا محبطون لأنهم حسبوا أن غرسهم هم والشهداء سيكون له من يتعهده بالسقي والحراسة من آفات الخلاف السلبي والفرقة والأنانية ويحرص على الاستظلال به في أوقات الشدة...إلا أن الغراس ذبلت، ولا أقول اقتلعت ولكنها مهددة وكثير من الناس يئس من إمكانية أن تنتعش وتورق وتزهر عوضا عن أن تثمر!

ولقد ثـبت بالتجربة بأن مخيم جنين له حضور مميّز، وتأثير كبير على حالة المواجهة مع الاحتلال،  وهنا لا أختزل وطنا في مخيم لا سمح الله، إلا أن لكل الثورات دينامو أو لنقل أيقونة تميزها، ولا أتحيّز أو أجانب الصواب إذا قلت بأن مخيم جنين هو هذه الأيقونة، مع كل الاحترام والتقدير لكل بلدة أو قرية أو عزبة تنتفض يوميا أو أسبوعيا أو موسميا، ولقد كان الاحتلال يدرك حقيقة تأثير مخيم جنين لذا تعامل معه باستنفار دائم مستمر وعمليات متواصلة لم تتوقف حتى الآن حتى لا يلتقط أنفاسه، إلا أن كل عمليات الاحتلال لا تـقاس بالأثر السلبي لغياب ثـقافة المخيم التي تحدثنا عنها، والتي نـفتقدها، وربما قليل من الناس يرون أنها ما زالت حية، إلا أن الجميع يجمع على أنها ليست سائدة ولو بالحد الأدنى منذ فترة...رحم الله شهداءنا، وعجّل بالفرج للأسرى جميعا، ووحّد كلمة شعبنا، وكفانا شرّ الاحتلال وكل عدوّ ومتربص نعلمه أو لا نعلمه.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، السبت 27 جمادى الأولى-1433هـ ، 31/3/2012م من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

 

  


 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق