]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

طوفان النمل والنسوة / رواية حلقة 26

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-03-28 ، الوقت: 19:29:07
  • تقييم المقالة:

 

كانت جماعة حمل النعش تسير منضبطة في توال عجيب ، يتم تبادل الأماكن ما بين العمل والراحة دون انفصال أو ملل ، أو ثبات .. حركة دؤوب ما بين الخطين الخلفيين والحملة ؛ تبادل سريع للأماكن ،وعودة سريعة للدور دون أن تخطيء واحدة ؛ تعرقل المسيرة ، كل يعرف دوره المنوط به ، وميقاته المضبوط ، وحركته التي يجب أن يقوم بها ؛ فيقوم بها . اثنتان منهما كانتا خارج هذا العمل .. تقفان على مسافة منه تراقبانه أو تنظمانه بإشارات خفية ؛ أو لعلهما قائدتا هذه المسيرة ... هما بالفعل كذلك فها قد اختل النظام حين اصطدمت واحدة بأخرى فاقتربت مهما إحداهما وبحركة سيعة ، دقيقة أعادت النظام إلى سابق عهده ؛ في حين قامت الأخرى بسحب جثة الواقعة إثر التصادم بعيدا ؛ ثم تاركة الجمع بأكمله ماضيا إلى حيث لا أدري .... المسيرة لم تعطل لحظة ، والورقة مازالت تمضي ، والحركة مستمرة دون كلل ، ومازلت مندهشا .. إلى أين يمضون بها ؟!

لم تتحدد بعد خطتهم ؛ فها هم يتجنبون مواضع الأقدام في الصالة ؛ ماضين بها بجوار الحائط إلى الأمام حتى الشرفة ؛ لم أستطع أن أتحرك من أمام هذه التشريفة العسكرية لجثة يوم الأمس المصرة عليه ورقة النتيجة ، وها هو اليوم تعلن أرقامه استسلامها لحكم السماء مرفوعة ؛ مقهورة – لا حول لها ولا قوة – فوق أكف النمل المصر على مضيه في الدرب المرسوم مسبقا ، المخطط له ، الذي يعرفه الجميع واضحا محفوظا إلاي !

مسحوقا مسحوبا خلفه أجر أذيال  العجز عن الانفصال عنه أو الحياد ببصري عن متابعته ؛ جالسا القرفصاء كنملة مسحوقة بالدهشة والبله ، موجوعة بالتشتت ؛ تتابع مقهورة – في أخر الصف – انتظام كائنات جد عاقلة ؛ مرتبة ، كانت الورقة تسعى فوق دبيب النمل ؛ لاهبة ريح تخشاها ، ولا اعوجاج في خطاها ، ولا تفصيلة منها تنزلق عنها ؛ هي الأرقام فحسب تباغت عيني بالثبات ، وتفقؤها بأزيز الطائرة الآخذ في الانفصال عن أذني ، عائدا بي إلى أتوبيس الدوام يتوقف ليلتقطني من أمام البناية يوم السفر ليس إلا حقيبة أوراقي أمسكها مبعثرة بها أوراقي المختومة بأختامهم ؛ مرتدة بي إلى الشقة والكرسي الوحيد بالصالة والورقة المطوية فوقه ، إلى سطورها المخطوطة بخط دينا شافع ، رافعة إياي إلى سرير نومي معها ؛ الوحيد الذي تركته لي ليلة سفري ؛ متوقفة بي عند لحظة الصحو واليقظة حين بغت باليقظة لا من النوم وإنما من الإغماء أوالتخدير ، لا أعلم ، فقد نمت ليلتها وشقتي بكامل أثاثها ، كاملة عليَ ، أعلم تمام العلم أنني مفارق صباح الغد ؛ غير أسف على ما فقدت ... كانت الشقة خاوية من دينا شافع ليس إلا – كما هي العادة دائما منذ غحالتي إلى حركة المراقبة للوصول العادي بالمطار – لكنني أفقت على خواء الشقة تماما إلا من رسالتها الأخيرة .

كان طابور النمل يمضي في خطواته المنضبطة للأمام عكس اتجاه ذاكرتي حتى كدت أشل من جلستي الماضية خلفه ؛ لكنني لم أملك العدول عنها ؛ أرغب في تركه يمضي إلى حيث يشاء فما يضيرني من حمله هذا ؟! لكنني لا أستطيع ؛ خيط رفيع يربطني به يمضي بي خلفه ؛ مكتفا أطرافي، لا سبيل للفكاك منه ، كان الطابور قد اقترب من شباك الشرفة ؛ لكنه حاذاه ماضيا تحته مفاديا إطاره الخشبي إلى الضلع الثالث المواجه تماما لحركة البداية ؛ لابد أنه ماض بي إلى لحظة جنوني ، أو أنه ينسج لي شرك الانتحار ؛ ماضيا للأمام وذاكرتي تعود بي في خطوات شبه منتظمة ؛ حتى وصلت إلى حدود احتدامي مع أبي حين أمسكت بتذاكر سفري إلى الأردن ؛ المرفوض منه ، مصمما على المضي فيما خططت له ؛ محاولا المحاولة الأخيرة للصفح عني ، ومباركة سفري ، لكنه كان يشيح بوجهه عني ماضيا في النظر في جريدته ، صافعا إياي بغضبه الكظيم الأبكم ؛ أود لو يصفعني ، أو يركلني ، أو يفزع فيَ طاردا إياي من أمامه ، أو يصفح عني .. لكنه لم يزد على جلسته إلا الانغماس في الجريدة ؛ فخرجت حتى لا يجن ؛ أو ينفجر مفتوقا أمام عيني ؛ لكنني لم أملك التراجع ، ولم أرغب فيه ؛ فأمضيت أخر ساعاتي في القاهرة في صالة انتظار الركاب بالمطار .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق