]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تحليل أسباب خفض الولايات المتحدة الأمريكية ضرباتها ضد كتائب القذافي 12

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-26 ، الوقت: 19:42:38
  • تقييم المقالة:

 

منذ البداية لم تكن الولايات المتحدة راغبة في إسقاط القذافي رغم أنها شاركت عمليا في التدخل العسكري بقوة كبيرة، ويبدو أن مشاركة الولايات عسكريا كانت تهدف أساسا إلى إضعاف القذافي عسكريا فقط، لا لإسقاطه حتى تتمكن من فرض شروطها عليه وتبقى المعارضة المسلحة مصدر تهديد لا ترقى إلى مستوى إسقاط النظام، ولذلك أشار عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الليبي المعارض قبل مقتله بقليل، أنه لا يعلم سبب منع الثوار من قبل حلف الناتو التقدم نحو مناطق أخرى غربا، ثم أن الوثائق والمحاضر التي عثر عليها الثوار في مقر مديرية الأمن الخارجي بعد دخولهم مدينة طرابلس أكدت سبب تقليص الولايات المتحدة من عملياتها العسكرية ووقوفها في الصف الخلفي للحلفاء، حيث كشفت أنه كانت تجرى بعد بدأ عمليات الناتو مباحثات بين استخبارات القذافي وشخصيات أمريكية مؤثرة في القرار الأمريكي تحاول مساعدة القذافي على البقاء في السلطة وفقا لشروط يتفق عليها الطرفان، فضلا عن أنه تم الكشف عن تعاون بين الاستخبارات الأمريكية ونظام القذافي لتزويد هذا الأخير بمعلومات عن معارضين ليبيين يعيشون في بريطانيا ودول أخرى، ومنها تسليم معتقلين إسلاميين إلى النظام الليبي رغم أنها كانت تعلم ما ينتظرهم في السجون الليبية من تعذيب وقتل.

 

وفي الوقت الذي كانت الاستخبارات الأمريكية تبحث عن إيجاد طريقة لبقاء القذافي في السلطة، كانت في المقابل فرنسا مصممة على إسقاطه، ولذلك سارعت إلى تزويد المعارضة بالسلاح في الجبل الغربي، وهذا التسليح حتى وإن كان لا يوازي أسلحة الكتائب، إلا أنه قد رفع من معنويات الثوار القتالية وساعدهم في الاحتفاظ بالمدن المحررة، وتحرير مدن الجبل الغربي الأخرى بعد طرد الكتائب منها، ومن ثم كان الزحف على بقية المدن الغربية، والتقدم نحو الزاوية في طريقهم نحو تحرير طرابلس.

 

ما كان يعمل في الخفاء يخالف ما كانت تصرح به الإدارة الأمريكية من فقدان شرعية القذافي السياسية، في الوقت الذي سقطت فيه شرعيته عمليا، وأصبح من المستحيل استعادتها كاملة على التراب الليبي لاعتبارات كثيرة ومنها سقوط أجزاء كبيرة تحت سيطرة الثوار، وتبين أن سحق المعارضة من قبل الكتائب لا يفرض أمنا ولا يجلب سلاما بل يخلق حالة من العصيان والتطرف ويؤدي إلى وضع غير مستقر ، وإلى تفكيك ليبيا إلى مناطق قبلية.

 

والمعروف حسب الأخبار التي تداولتها الصحف والقنوات الفضائية أن الاستخبارات الأمريكية وعلى لسان مديرها السابق ذكرت في تقاريرها أن نظام القذافي يتمتع بقوة عسكرية تجعله قادرا على حفظ أمن البلاد واستمراره في الحكم، وأنه من الصعوبة بمكان حسم الخيار العسكري لصالح المعارضة، واستندت في تقاريرها على معلومات قدمتها لها بعض الدول المجاورة، فضلا عن إجراء الاستخبارات الأمريكية اتصالات بعدة مصالح استخباراتية من دول المنطقة ونصحتها بمنع المعارضة الليبية من الوصول إلى السلطة باعتبارها تضم في صفوفها عناصر من القاعدة وعناصر إسلامية متشددة، وهذا ما جعل الولايات المتحدة تخفض من ضرباتها الجوية ضد الكتائب وتسند قيادة العملية إلى حلف الناتو، لكن فرنسا ومعها بريطانيا ودول أخرى أصرت على الاستمرار في دعم الثوار حتى إسقاط النظام، وظلت تقدم دعما جويا من خلال استهداف الكتائب وتدمير مخازن الأسلحة والذخائر وراجمات الصواريخ، بل كانت تقدم غطاء جويا للثوار كلما تقدموا تجاه منطقة من المناطق، إضافة إلى زيادة معدل طلعاتها الجوية واستهداف تجمعات الكتائب في كل مكان من أنحاء ليبيا، ولا شك أن انتصارات الثوار فاجأت الدول الداعمة للقذافي، ومن ثم أدركت أنها كانت تراهن على نظام غير قادر على الاستمرار، ولتبرير شكوكها أو تصحيح موقفها المعادي للثوار اشترطت على المجلس اتخاذ إجراءات لمحاربة التطرف والقاعدة، مما يدل أن الولايات المتحدة وهي واحدة من هذه الدول كانت تنظر إلى جماعات الثوار كونهم جماعات متطرفة ينتمي بعض عناصرها إلى القاعدة يجب منعهم من إسقاط القذافي. لكن فرنسا ومعها دول أخرى يبدو أنها استخلصت العبر من الثورتين التونسية والمصرية، واعتبرت ذلك التخويف فزاعة من فزاعات الأنظمة الديكتاتورية التي دأبت على إطلاق مثل هذه التحذيرات لتبرير بقائها في السلطة. وعملت من جهة أخرى بما يتيح إضعاف نظام القذافي وجعله في عزلة ديبلوماسية عن العالم حيث لا يستطيع القيام بأي عمل لفك العزلة عن نفسه، ومن جهة ثانية تعزيز قدرات الثوار على نحو يجعلهم متفوقين ميدانيا وسياسيا، وتحويل البعثات الديبلوماسية إلى داعمة إلى الثورة.

 

في المسرح الليبي كانت تتصارع ثلاثة قوى رئيسة: كتائب القذافي، الثوار، وطائرات وصواريخ حلف الناتو الذي اسند إليه توفير الحماية الكاملة للمدنيين، ومنع الكتائب من التعرض لسلامة المدنيين، وذلك وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 1973. فالكتائب الأمنية كانت في وضع جيد من حيث التدريب والتسليح ووفرة الإمكانات اللازمة وكان بإمكانها خوض المعركة من خلال كثافة نيرانية قوية، والقدرة على تعويض الخسائر المادية والبشرية في زمن قصير، وبناء على هذا التقدير رجحت الاستخبارات الأمريكية نجاح الكتائب في هزم الثوار ومنعهم من إسقاط القذافي.  

 

وأما الثوار أو المعارضة المسلحة فقد كانوا في البداية عبارة عن مجموعات ينقصها التنظيم والتدريب والخبرة القتالية، لكن بعد خوضهم لمعارك ضد الكتائب استفادوا من دروس معارك النجاح والفشل وتكتيكات الفر والكر وكيفية التعامل مع الآلات الضخمة والقناصة على اسطح المنازل وسرعان ما اكتسبوا كفاءة قتالية عالية في حرب المدن والشوارع وتأمين المدن والأماكن التي يسيطرون عليها وإقامة خطوط إمداد آمنة توفر لهم مواصلة القتال، وأصبح من الصعب على الكتائب استعادة ما فقدته من أيدي الثوار، ولذلك فإن تحرير طرابلس في ظرف ساعات كان بمثابة مفاجأة للخبراء العسكرية الذين كانوا يعتقدون أن معركة طرابلس ستكون نتائجها باهضة التكاليف، لكن تبين أنهم دخلوها دون خسائر في صفوف المدنيين، وسهولة القضاء على جيوب الكتائب بأقل الأثمان. 

 

وما كان يثير تساؤلات المتتبعين للقتال في ليبيا هو الغموض الذي ساد دور وأداء طائرات الناتو، وكيف استطاعت الكتائب أن تتحرك بأرتال كبيرة وعبر مسافات طويلة مكشوفة من سرت إلى أجدابيا ثم إلى بنغازي دون أن تمنعها من التقدم من خلال ضربات جوية، وكيف استطاعت إيصال خطوط الإمداد بالقوات المتقدمة دون أن تتدخل لقطع الإمداد عنها؟ رغم أن هذا العمل العسكري يأتي في إطار حماية المدنيين الذين لو دخلت الكتائب إلى بنغازي لتعرضوا إلى إبادة جماعية. ولعل ما كان يثير المخاوف هو ظهور أسلحة جديدة حصلت عليها كتائب القذافي بعد صدور قرار مجلس الأمن مما ألقى شكوكا حول جدوى حظر دخول الأسلحة إلى ليبيا.

 

لأن من يتتبع العمل العسكري الميداني يلاحظ تراجعا في أداء القوات الأمريكية في الأيام الأخيرة، وخاصة بعد تخليها عن قيادة الحلف، ففي بداية الحملة كان قد وصل عدد طلعاتها إلى متوسط 283 طلعة يوميا، ثم انخفضت إلى متوسط 150 طلعة في اليوم، وكأن الولايات المتحدة تريد مراجعة موقفها من التدخل في ليبيا، ولذلك بدأ قادة الدول المشاركة في الحماية الدولية يشكون من نقص كبير في القنال الموجهة بالليزر ضد مختلف الأهداف الأرضية، وهي لا توجد إلا عند القوات الأمريكية، وإذا وجدت فإن طائرات الحلفاء غير مجهزة لحمل مثل هذه القنابل، وكذلك فإن قوات الكتائب ظلت تقصف المدنيين في مصراتة بالصواريخ من منطقة تاورغاء دون أن تتعرض لضربات حلف النيتو.

 

ومنذ بداية الثورة في ليبيا كان موقف الولايات المتحدة باهتا، وربما تمهل إلى حين دراسة الوضع والخيارات الواجب اتخاذها، مما أثار تساؤلات حول هذا المغزى، وكان من المفترض أن يكون موقف الولايات المتحدة من نظام القذافي حازما من موقفها تجاه نظام حسني مبارك، نظرا للإرهاب الذي مارسه القذافي طوال مدة حكمه، وتسبب في قتل مئات الأبرياء، وتأتي هذه الازدواجية في المواقف  من باب أن القذافي كان عميلا متعاونا ومصالحها تتقاطع معه، وهذا يتناقض مع مبادئ الولايات المتحدة القائمة أسس ديمقراطية على حين فإن نظام القذافي استبدادي وديكتاتوري، ولكن الأكيد أن هذا التقارب في المواقف أو التعاون الاستخباراتي السري لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن مبادئها وألغت العداء بينها وبين نظام القذافي.

   

عبد الفتاح ب: Abdelfatah.b1@hotmail.fr

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق