]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

طوفان النمل والنسوة / رواية حلقة 5

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-03-25 ، الوقت: 14:34:04
  • تقييم المقالة:

 

( 4 )

 

( حصى الأطفال ) 

 

------------------- 

 

 .... فيما يبدو أنني سأقرر الإمتناع عن الخروج ؛ إذ سكن النمل أفرع الشجر ، وصار أخضر بلون الأوراق ، بني اللون بلون الأفرع والجذوع ؛ بادئا في لعبة جديدة يمارسها معي في كل لحظة بلا كلل ما أن يراني حتى يترك الأجساد التي يسكنها طائرا في اتجاهي ليحط على ملابسي ؛ فأحاول تفاديه ، متحركا يمينا أو يسارا أو متراجعا خطوة للخلف ، ساحقا الواقع منها على الأرض ، في حركة أجاهد أن تبدو طبيعية . كان الأمر سهلا في باديء الأمر ؛ فما أن أرى نملة طائرة حتى أتفاداها وإن سقطت على ملابسي سحبت يدي ببطء حتى لا يلحظها أحد ضاربا إياها بأناملي أو ماسحا لملابسي كأنني أرفع غبارا التصق بها ؛ مباعدا بيني وبين فرادى النمل المتطاير حولي .

لكن الأمر أصبح جد مضني ، إذ يكلفني رسم ملامح جادة شمعية ، لا أفرط في ذرة خوف أو هلع تسكنني ، أسجنها داخلي ، حتى لا ترتسم على ملامحي ، واضعا أمامها المتاريس التي تمنعها من الخروج ، حتى أصل إلى باب الشقة ؛ فأترك هذا الكابوس كأنه رداء ثقيلا عند الباب ، أشعر من بعده كأنني قد صرت عاريا تماما كيوم ولدتني أمي ، أصرخ فرحا لفراغي منه !!

لكنني ... - ذات صباح – لم أعد أحتمل كتم أنفاسي ، فجاهدت حتى أصل إلى موقف السيارات ، فقد  تناثر النمل في الجو محاولا الدخول إلى رئتي مع الهواء ؛ استخدمت منديلي لأمنعه من الدخول ولأتنفس جيدا ، لكنه كان يتجمع فوق المنديل ؛ فأدفعه بعيدا ، كاتما نفسي حتى أخرج منديلا جديدا . فرغت علية المناديل قبل الوصول إلى موقف السيارات ، ولم يمهلني لأشتري علبة جديدة ؛ إذ استطاع أن يدخل مع الهواء إلى رئتي ، ومضى بخطواته البطيئة ، يحفر خطوطا في رئتي ، يسكنها . لم أتمالك نفسي وأنا أفبغ معدتي وسط الطريق ؛ منتفضا منه مرعوبا متشنجا ، وما أن فرغت منه حتى هدات ، ولم أعد أرى أمامي سوى سيقان ملتفة حول جسدي الممدد على الإسفلت ، ووجوه متدلية حولي كعناقيد عنب موبؤة بالعفن ، تلقي علي أسئلة لا أعي إجاباتها ؛ ولا أجد في صدري رادا لها غير الصراخ فيها ؛ قمت مزعورا أسحب خطواتي المتثاقلة ، أحث الخطى إلى شقتي ؛ أحتمي بها قبل أن يعاود النمل هجومه ثانية ، أكاد أشعر ببضع خطوات لأطفال خلفي تتحفز تبحث عن الحصى ، تجاهلتها ، وأسرعت الخطى إلى شقتي ....

محموما نمت ؛ فرأيتني في مكان أشبه بزنزانة ، أو حجرة معدة لمحوم عليه بالإعدام .. هي كذلك ؛ إذ كنت جالسا القرفصاء في ركن مظلم ، أسمع أسمي يتردد في أذني مقرونا بخطوات عسكرية تمضي على بلا طات عارية لها صدى رتيب ، يسألني صاحب الخطوات الآتي من أعماق الظلمة حين يتوقف :

-        هل ترغب في شيء ؟

كدت أصرخ فيه :

-        أريد أن أرى ابني الذي تركته في الأردن .

لكنه أمر مقهقها فانسحبت كوة من جدار الحجرة ، انطلقت منها جيوش من النمل في الحجرة ؛ تحدد لها حزمة من الضوء جسدي ، تاهت صرخاتي وسط كتل النمل الداخلة إليَ من الكوة ، وصدى خطواته العسكرية الرتيبة المتباعدة .

----------------------------------------


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق