]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثورة الليبية وملام المستقبل (1)

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-25 ، الوقت: 12:02:20
  • تقييم المقالة:

 

الثورة الليبية وملامح المستقبل

 

لقد انطلقت ثورة الشباب الليبي سلمية على نموذج ثورتي تونس ومصر في بدايتها، ولكن القذافي قابلها بهمجية كتائبه الأمنية وقمع المرتزقة، وجرهم إلى المغالبة العنيفة، بعدما قطع عنهم الأمل في مواصلة المغالبة السلمية، فاندفع الشباب في ظرف قصير إلى حمل السلاح لمواجهة طغيان الكتائب، فلم تصدق عيناه وهو يرى كيف أن صوره تداس تحت أقدام الجماهير ونصب كتابه الأخضر المقدس تتهاوى في كل مكان، وصيحات الشباب تطالب برحيله، فلم يغفر لهم جرأتهم وعصيانهم عليه، وخروجهم عن طاعته بآلاف تتحدى كبرياء ملك ملوك إفريقيا وتتطاول على جبروته وتتنكر لأرثه الطويل.

 

لا شك أن انتصار الثورتين التونسية والمصرية أزالت الخوف من نفوس الليبيين الذين خرجوا بالآلاف للمطالبة بإصلاحات شاملة وإطلاق الحريات بتاريخ 17/02/2011، غير أن الديكتاتور الذي حكم ليبيا أكثر من أربعين سنة، واجه الشباب المطالب بالحرية والعدالة باعتقالات وقتل، وصرح بأنه سيقوم بقتل الشباب الثائر الذين سماهم بالجرذان فرد فرد والبحث عنهم زنقة زنقة ومن ببيت بيت... غير أنه حدث ما لم يكن يجعله القذافي في الحسبان، فالشباب الذي خرج في المدن الشرقية كانت عزيمته كبيرة على أخذ حريته مهما كانت التضحيات، مطالبا في ذات الوقت بالإفراج عن بعض المعتقلين الذين تم إلقاء القبض عليهم، ولكن النظام الديكتاتوري بقي مستمرا في الاعتقالات والاغتيالات، وسرعان ما انتقلت الثورة السلمية الشعبية إلى بعض المدن الغربية، وتحولت الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح والحرية إلى ثورة مسلحة استطاعت أن تسيطر على الجهة الشرقية وتطرد منها كتائب القذافي الأمنية، وكان القذافي طوال حكمه يكذب عن شعبه زاعما أنه ليس رئيسا ولا زعيما ولا ملكا، وأن الشعب الليبي هو من يحكم نفسه بنفسه، ولا أحد يحكمه أو توجد سلطة فوقه، ولا ندري من كان يحكم ليبيا إن لم يكن القذافي هو الحاكم والملك والديكتاتور؟ ولما سئل مرة من قبل أحد الصحافة عن تعريف شخصه، أجاب بأنه عميد قادة العرب وملك ملوك إفريقيا، وإمام المسلمين، وكان يقدم نفسه في أكثر من ثوب ويظهر كل مرة في طبعة جديدة.

 

لقد عمل القذافي بكل ما استطاع أن يحول الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية قبلية، ولكن وعي الثوار تجاوز المكيدة وتوظيف نعرات القبلية ومطلب رابطة الانتماء الاجتماعي الوطني، وتحويلها إلى ثورة تحريرية سلمية لا فرق فيها بين قبيلة وقبيلة، وبين شرق وغرب وجنوب وشمال، ولم يبق للقذافي من ورقة يستخدمها إلا الاستنجاد بالمرتزقة في قتل شعبه وقصف المدن بالصواريخ والدبابات، بل لم يبق للقذافي من ولاء إلا ولاء المرتزقة وولاء العائلة التي تحول أفرادها إلى قادة عمليات يديرون المعارك في مختلف المدن والجبهات ضد الثوار والشعب الليبي الذي رفض حكم الفرد المطلق، وديكتاتورية الزعيم وتوريث أفراد عائلة تملك ثروة طائلة لا آخر لها، ولم يكن للقذافي من وزاع ديني أو وطني أو إنساني ينئه عن سفك دماء الشعب الليبي، فحول المواجهة المسلحة مع الثوار إلى حرب إبادة جماعية طالت آلة الدمار والقتل كل ثابت ومتحرك. ومن هذه الزاوية كان التدخل الأجنبي الذي كان في سباق مع القذافي عندما اندفع بكتائبه نحو بنغازي لذبح شعبه، ولكن القوى الدولية كانت أسرع مما كان يتوقع لوقف المذبحة، والحيلولة دون دخوله المدينة التي حطمت كبرياء الزعيم الفيلسوف.  

 

لهذه الأسباب تم تدويل الثورة الليبية، وحمل المجتمع الدولي على التدخل عسكريا لوقف آلة القتل وحماية المدنيين الذين صاروا هدفا لكتائب القذافي ومرتزقته، غير أن هذا الديكتاتور وظف كل أوراقه السياسية والديبلوماسية والقوة العسكرية لإفساد ثورة المطالبين بالانعتاق والتحرر الذاتي، ومنح فرصة للذين فاجأتهم ثورة تونس ومصر أن يكون لهم موقع قدم في تشكيل الخريطة الليبية التي ترسم ملامحها بعد نجاح الثورة. 

 

بعد انقلاب عام سنة 1969 على عائلة الملك السنوسي رفع الانقلابيون شعارات مكافحة الفساد والإصلاح والتغيير، ولكن هذه الشعارات لم يطبق منها شيئ، وسرعان ما أصبحت عائلة القذافي تحكم ليبيا بمفردها، وتحتكر السلطة لوحدها، وأصبح الكتاب الأخضر عبارة عن قرآن يتلى وعلى أساسه تقوم ايدلوجية الحكم، وصارت خطب القذافي تذاع عبر برامج وسائل الإعلام يوميا، بل أصبح صوت القذافي الصوت الواحد والرأي في كل وسائل الإعلام الليبية، والمعيار الذي يضبط أهداف ومسار الثورة والبلاد، وإلصاق تهمة الخيانة العظمى بكل من يخالف رأيه وينتقد توجهاته الفكرية والسياسية ومعاداته لكل من ينادي بالإصلاح والديمقراطية. 

 

وكان المثقفون وطلبة الجامعات وبعض الطبقات الاجتماعية والمهنية قد وقفوا في وجه عسكرة الثورة ورفضهم للإجراءات الجديدة والتحول الأيدلوجي، وتحويل ليبيا إلى معسكرات ثورية لخدمة سياسة القائد المقدس، وكان مطلبهم الأساس إصلاح سياسي عبر إعطاء مزيد من الحريات لتشكيل الأحزاب والسماح لمختلف النقابات بالعمل بحرية، لكن نظام القذافي واجه تلك المطالب بعنف شديد،

 

وطرد الموظفين من مناصبهم واستبدلهم باللجان الشعبية الثورية التي تعتبر جاهزا استخباراتيا يتمتع بسلطة قوية بحيث اسند إليها تفويضا للقضاء على الشركات والتجار والملاكين تطبيقا لما قرره في الكتاب الأخضر. واعتبارا من هذا التحول والتوجهات الجديدة قامت اللجان الثورية والأجهزة الأمنية بإعدام الكثير من المعارضين في الداخل، ولم يكن المعارضون في الخارج بمنأى عن التصفيات الجسدية في أماكن وجودهم بأوروبا، وفي عام 1997 قام بإعدام كل الأفراد الذين شاركوا في التمرد على نظام القذافي. وظهر كون سلطته تأتي من ملايين الجماهير التي تدعمه، وهو القائد الثائر والمفكر والسياسي صاحب النظرية الرابعة الذي يقف على رأسها ويقود ثورتها المستمرة.

 

يجب التأكيد على أن القذافي أرتكب جرائم في حق الشعب الليبي والتشادي، وأنه أفسد أكثر مما بنى وأصلح مقارنة بحجم ثروات ليبيا النفطية وغير النفطية، وأن أموال الشعب الليبي كانت تذهب إلى تمويل الجماعات المعارضة لأنظمتها، وإلى شراء أسلحة باهضة الثمن كلها دمرت وغنمت في حرب تشاد، وحديثنا عن الثورة الليبية يهدف إلى تحليل الموضوع بشكل صحيح للوصول إلى رؤية موضوعية ومنصفة تكون أقرب إلى الواقع، وكانت للقذافي فرصة كبيرة لو أراد التغيير والإصلاح ولكن قدره جره إلى أن يفعل به كما فعل بشعبه.

   

عبد الفتاح ب: Abdelfatah.b1@hotmail.fr


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق