]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من فتاوى الفضائيات

بواسطة: عيد الخطيب  |  بتاريخ: 2012-03-23 ، الوقت: 01:35:39
  • تقييم المقالة:
  من فتاوى الفضائيات سئل أحد مشايخ الفضائيات عبر الهاتف هذا السؤال : " لي زميل بلغ سن المعاش ، وقرر زملائي أن يقيموا له حفلة ، وهذه الحفلة ليس فيها أي شيء منكر من غناء أو اختلاط أو غير ذلك ، فنحن والحمد لله في المصلحة ملتزمون ومحترمون ، لكن يا شيخنا قلبي لا يستريح لمثل هذه الحفلات لأن فيها من المدح والإطراء ما فيها وفضيلتكم يعلم تماما قول النبي صلى الله عليه وسلم " احثو في وجوه المداحين التراب "                         ( انتهى سؤال السائل )

وكان جواب الشيخ نصا كالتالي :

" بارك الله فيك ، وفى أمثالك من المسلمين ، الذين يحرصون على الالتزام بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ويحافظون على سنته .

وأقول لك يا أخي الكريم صدقت ، فمثل هذه الحفلات لا تجوز على الإطلاق ، حفلات المعاش و التأبين و التكريم ، فكل هذه الأنواع من الحفلات حرام ، ولا يجوز للمسلمين أن يقيموا مثل هذه الحفلات ، لأنها وإن كانت تخلو من الرقص والغناء والاختلاط الماجن في كثير من الأحيان ، إلا أنها حفلات تقوم على المدح والثناء والإطراء ، وهذا حرام ، فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه  قال : أمرنا رسول الله " أن نحثو في وجوه المداحين التراب ". وهناك فريق من الناس كل غايته في الدنيا أن يمدحه الناس ، ويعظمه الناس ، ويمجده الناس ، فترى من بين هؤلاء الغبي الذي يريد من الناس أن يصفوه بالذكاء والعبقرية ، وترى الجبان الذي يريد من الناس أن يصفوه بالشجاعة  والإقدام ، والمنافق الذي يريد من الناس أن يصفوه بالإخلاص والتجرد . ولقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام البخاري أن رجلا أثنى على رجل عند رسول الله فقال له النبي : " ويحك قطعت عنق صاحبك ". وفى النهاية أقول للسائل الكريم يجب عليك أن تنصح زملاءك بأن مثل هذه الحفلات لا تجوز ، وبلغهم أن رسول الله لو رآهم فإنه سيحثو في وجوههم التراب ، وإن أصروا بعد ذلك على إقامتها فلا تشاركهم  فيها بارك الله فيك ، وأكثر من أمثالك "                ( انتهى كلام الشيخ ) بداية أحب أن أوضح  أن أي كلام خرج من فم النبي  صلى الله عليه وسلم يعتبر تقنينا وتشريعا للمسلمين في كل زمان ومكان ؛ لكن هناك أمرا مهما جدا مرتبطا بكلامه صلى الله عليه وسلم ، هو معرفة الظروف والأحوال التي قيل فيها الكلام . فمثلا يأتي شخص إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ، فيخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأعمال بعد التوحيد بر الوالدين . وتارة أخرى يأتيه رجل يسأله ما أفضل الأعمال ؟ فيخبره أن أفضل الأعمال بعد التوحيد حج مبرور. وتارة يأتيه رجل يسأله ما أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ؟ فيخبره صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأعمال بعد التوحيد جهاد في سبيل الله . فلماذا تغيرت إجابته صلى الله عليه وسلم من آن لآخر ؟ لأن النبي يعرف ظروف وأحوال ، كل سائل ويجيبه بالإجابة التي تتناسب مع ظروفه وإمكانياته وقدراته . ولقد دخل عليه صلى الله عليه وسلم ذات مرة شاب متزوج ، قال يا رسول الله : أأقبل زوجتي وأنا صائم ؟ ، فقال النبي : لا وفى المجلس نفسه دخل عليه رجل عجوز وسأله السؤال نفسه ، فقال يا رسول الله :  أأقبل زوجتي وأنا صائم ؟ قال : نعم لقد تغيرت إجابة النبي على سؤال العجوز فجاء مغايرا بل ومتناقضا مع إجابة الشاب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم  يعلم أن القبلة عند الشاب ربما تحرك شهوته ، فتؤثر على صيامه ، أما للرجل العجوز فهذا مستبعد.  فكلام النبي صلى الله عليه وسلم إذاً مرتبط بالظروف والأحوال التي صاحبت هذا الكلام ، وعلى الذين يحفظون الأحاديث ألا يفرحوا  بكم ما يحفظونه من أحاديث ، أو بمهارة حفظهم لها من حيث سند الحديث ( روايته ) ، أو من حيث متن الحديث ( نصه) ،  وأن يتعلموا كيف يربطون بين الحديث والظروف والأحوال التي قيل فيها ، وبين غيره من أحاديث ، وبين القرآن الكريم والمفاهيم العامة التي جاء بها الإسلام . وفتوى كتلك التي نحن بصددها ، والتي حرم فيها  هذا الداعية ، حفلات المعاش والتكريم والتأبين ، استدل فيها بحديثين للنبي دون أن يفهم ظروف هذين الحديثين ودون النظر إلى أحاديث أخرى كثيرة يمكن أن نستقى منها ما يتعلق بهذه الفتوى ، ودون الربط بين هذين الحديثين والقرآن الكريم والمبادئ العامة التي جاء بها الإسلام . والحديثان هما :  حديث " أمرنا رسول الله أن نحثو في وجوه المداحين التراب " وحديث " ويحك قطعت عنق صاحبك " إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمرنا أن نحثو التراب في وجوه المداحين ، وعندما زجر الرجل الذي مدح صاحبه ، ما قصد على الإطلاق أن يتعامل الناس مع بعضهم بجفاء وتكلف ، ورسميات جافة خالية من المجاملات الرقيقة والثناء الحسن . إن ما قصده صلى الله عليه وسلم من خلال هذين الحديثين شيئان هما : الأول :ألا نمدح شخصا متخذين من المدح وسيلة نتملقه بها لنصل إلى غرض ما سواء كان ما نريده شيئا نستحقه أو لا نستحقه . فالتملق والوصولية وتعظيم الأشخاص وتمجيدهم وسائل غير مشروعة على الإطلاق ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم  : "  اطلبوا الحوائج بعزة النفس فإن الأمور تجرى بمقادير " من هذا المنطلق أمرنا رسول الله أن نحثو التراب في وجوه المداحين ، إذا كانوا من هذا النوع لأنهم سيفسدون المجتمع . فإذا كان ما يتملقون من أجله ليس من حقهم فتلك مصيبة كبيرة ، لأنهم يهضمون حقوق الناس ، وإذا كان ما يتملقون من أجله من حقهم فالمصيبة أكبر ، لأن الإسلام جاء ليحافظ على كرامة الإنسان وعزة نفسه وليعلم أهله ألا يذلون أنفسهم لأحد غير الله ، فما الداعي إذا لإذلال النفس للغير من أجل الحصول على ما تستحق . الآخر :ألا نمدح شخصا إذا استشعرنا أنه سيصاب بالغرور ، وهذا ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال للذي مدح صاحبه لا تقصم ظهر أخيك .  أما أن نمدح شخصا ونثنى عليه وهو أهل لهذا المدح  فلا مانع من ذلك ، وخاصة إذا علمنا أنه لن يغتر أو يتكبر من جراء ذلك بل إن هذا لهو حقه الذي كفله الله إياه حين قال جل وعلا في سورة الأعراف : " وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ " سواء كانت هذه الأشياء مادية أو   معنوية ، ثم إن القرآن الكريم وهو المصدر الأول من مصادر التشريع الذي نستقى منه جميع الأحكام ، استخدم المدح كأسلوب في آيات كثيرة جدا وفى مواضع مختلفة وها هي بعض المواضع: - قال تعالى مادحا المهاجرين والأنصار في سورة الحشر : " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
    مدح الله الأنبياء والمرسلين في كتابه حيث قال :
" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا" " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا" "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا " "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا " وغير ذلك كثير من الآيات .

       والنبي صلى الله عليه وسلم كان يمتدح جميع أصحابه بلا استثناء ، بل كان يتخذ من المدح وسيلة لتحفيزهم وتعلية هممهم ، فيصف أبابكر بالصدق تارة ، وتارة أخرى يبين فضله في خدمة الإسلام ؛ فنراه  يقول لأصحابه :

       " كلكم كان له يد علينا فكافأناه بها إلا الصديق فقد تركنا مكافأته لله "

 وكقوله لهم :

       " لو كان نبيا بعدى لكان أبو بكر " ، وكتلقيبه لعمر بالفاروق ، ولعثمان بالحيي وبذي النورين ، ولعلى بكرم الله وجهه ، ولعبد الله بن مسعود بأنه أقرأ الناس لكتاب الله ، وقوله : ما قاله ابن مسعود فصدقوه ، وقوله لخالد : أنت سيف من سيوف الله .

ومن يقرأ عن حياة الصحابة يجد كثيرا من هذه الأقوال ، فضلا عن مجاملة النبي صلى الله عليه وسلم الشهيرة لأبى سفيان ، فمع علم النبي بأن أبا سفيان رجل يحب الفخر إلا أنه لم يمانع أن يجامله من باب تأليف قلبه للإسلام ، فقال : من دخل دار أبى سفيان فهو آمن .

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمتدح غير المسلمين ، ففي رسائله التي كان يبعث بها إلى كسرى وقيصر ، كان يخاطبهم بقوله : من محمد بن عبد الله إلى كسرى عظيم الفرس ،  من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم . ولأن الإسلام دين عظيم ، فقد نظم الشهوات والغرائز بأكملها ، وأعطى كل شهوة وغريزة مساحتها لتأخذ كفايتها ولكن في ظل ما حددته الشريعة لإصلاح الفرد والمجتمع ، فكما نظم الإسلام الشهوات المادية ، كشهوة الجنس التي نظمها بالزواج ، وشهوة البطن بالطعام والشراب ، نظم أيضا الشهوات المعنوية : كشهوة الزهو والافتخار نظمها فلم يمنع المسلم من أن يفتخر بنفسه في مواطن الحق والصدق ، وقد افتخر المصطفى صلى الله عليه وسلم بنفسه عندما وقف في ساحة القتال وقال : " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " فالمدح ليس مذموما على الإطلاق إنما ناحية الذم فيه تعود إلى مابيناه من كونه تملقا لمصلحة ما، وألا يؤدى بالممدوح إلى الغرور والعجب ، وهذه حالات استثناء لا تبنى عليها قاعدة ، ولا يبنى على أساسها حكم فقهي . فالذي بلغ سن المعاش وأقام له زملاؤه حفلة من باب الحب والإنسانية والزمالة ،  أو الذي أعد لحفلة تأبين يواسي بها أهل ميت ، أو حفلة تكريم يكرم فيها شخصا اجتهد وتفوق في أمر ما ...الخ ، كل هذه أمور الإسلام لايمانع فيها على الإطلاق ، بل يحث المسلمين على فعلها وعلى القيام بها ، لأنها تؤلف بين القلوب ، وتخلق جوا من المحبة والألفة والترابط بين الناس . وهذا الذي أفتى بحرمة مثل هذه الحفلات لدرجة أنه افترى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال : لو أن رسول الله شاهد الذين يحضرون مثل هذه الحفلات لوضع التراب بنفسه على وجوههم ، شخص جاهل وأحمق ، لأن إقحامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة في أذهان الناس مصيبة كبرى  ، فحينما نخيل للناس أنّ رسول الله الرحمة المهداة ، صاحب الخلق العظيم يمسك بحفنة من التراب ويضعها فوق رؤوس الناس الذين يحضرون مثل هذه الحفلات لهو جهل وحماقة .  وأخيرا أقول : إن مثل هذه الحفلات لاحرج فيها على الإطلاق ، و لاحرج أيضا في مجاملة المسلم لأخيه المسلم ومدحه إياه ، ما دام ليس في ذلك تكلف وليس مقصودا منه التملق ، ولن يؤدى بالممدوح إلى كبر أو غرور .  

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق