]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عندما تزعمت فرنسا الحملة الصليبية العاشرة

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-03-21 ، الوقت: 20:09:54
  • تقييم المقالة:

 

الحملة الصليبية العاشرة 

 

لم يكن يوجد بين الأجناس البشرية القديمة شيء اسمه الجنس الفرنسي، وأن البلد الذي يعرف اليوم بفرنسا كان قديما تسكنه قبائل مختلفة كالليجيرية في الألب والإبيرية في البرانس، وجاء الفينيقيون والإغريق من شرقي المتوسط وأقاموا مستوطنات على سواحل مرسيليا وفي نيس. وفي القرن السابع قبل الميلاد استقرت قبائل السلت على امتداد نهري الراين والرون، وبحلول القرن الرابع قبل الميلاد كانت قد استولت على جميع المناطق المعروفة بفرنسا وإسبانيا، وقاموا ببناء قرى بين الغابات، وكانوا يعبدون آلهة محلية مثل إله اليانبيع الحارة، ولهذا الإله الذي يسمى (بورفوا) كانت تنتسب الأسرة الفرنسية المالكة (بوربون)، وكان معظم أفرادها يمارسون السحر والتنجيم، والرومان هم من أطلق على الأراضي التي سكنها السلت اسم بلاد الغال.

 

لقد كانت قبائل الغال كثيرة الاقتتال فيما بينها، وعادة ما كان يلجأ بعضها إلى الاستعانة بالرومان لدحر القبيلة الأخرى، ما سهل للجيش الروماني التدخل في بلاد الغال وإخضاع قبائلها لسلطته سنة 58 قبل الميلاد، ودحر القبائل الجرمانية إلى ما وراء نهر الراين، ومن ثم ظلت بلاد الغال على مدى خمسة قرون ولاية رومانية، حيث تحولت في ظل حكم الرومان لبلاد الغال إلى بلاد متحضرة، فتعلم أهلها بناء قنوات المياه وشق الطرق وغيرها من الحرف والأعمال المختلفة، ومنها كيفية تأسيس مجالس الحكم والتداول على السلطة، ثم تركتها روما وهي مطبوعة على ديمقراطية هادئة.

 

 وعلى امتداد القرن الخامس كانت تتدفق القبائل الألمانية على بلاد الغال دون انقطاع، وكان الرومان والقبائل الغالية يعتبرونها قبائل همجية (بربرية) نظرا لمسلكها الفظ وغير المتحضر، وأهمها قبائل فرنجية جاءت من منطقة الراين الأدنى، فغزت في عام 486 بعد الميلاد هذه الأراضي بقيادة (كلوفيس) وتمكنت من السيطرة على جميع أقاليم بلاد الغال وقامت بطرد القبائل الأخرى مثل القوط والألمان. وذلك تزامنا مع انهيار الإمبراطورية الرومانية، فحاول (كلوفيس) بناء إمبراطورية في بلاد الغال على أنقاض الإمبراطورية المنهارة. ولعبت زوجته المسيحية دورا في تعميده ومن تلك اللحظة فتهيأت له الظروف لأن يكتسب تأييد الكنيسة المسيحية، وأصبحت منذ تلك الفترة تعرف بلاد الغال باسم أرض الفرنجة (فرنسا)، وتعاقب على المملكة الفرنسية عدة ملوك، وفي ظل حكمهم اختفت القوانين الرومانية التي كرست نوعا من الديمقراطية وانتقلت السلطة إلى حاكم يدعى (عمدة القصر).

 

في عام 725 ميلادي هاجم المسلمون من جهة إسبانيا فرنسا واستطاع عمدة القصر شارل مارتل أن يوقف تقدم جيش المسلمين سنة 732م في موقعة بواتيه. وخلفه ابنه بيبان (شارلمان) الذي نصب نفسه ملكا بموافقة البابا، وتمكن من تأسيس إمبراطورية كبيرة شملت الأراضي الفرنسية والألمانية الحالية، وكان يسعى لنشر الديانة المسيحية في جميع أرجاء أوروبا، وبعد حكم له دام 43 عاما توج كإمبراطور روما المقدس على يد البابا (ليو الثالث).

 

لم تدم إمبراطورية شارل طويلا بعد وفاته، فتمزقت أوصالها، وتقاتل الأبناء فيما بينهم وراح كل واحد منهم يلتمس نصيبه، وفي عام 843م اتفقوا على تقسيم الإمبراطورية إلى دولتين، هما فرنسا وألمانيا حسب التقسيم الجغرافي الحالي.

 

من طريق نبلاء فرنسا انتخب سنة 987م هيوكابيه ملكا للبلاد، وكان من أفقر النبلاء، لذلك واجه موقفا صعبا من قبل النبلاء، وفي عهده بدأت الملكية الفرنسية تقوم بإصلاحات سياسية لبسط قوة القانون وتقليص هيمنة النبلاء على الحكم. وفي تلك الفترة، أي ابتداء من سنة 1066م كانت نورمانديا وانجلترا تحت حكم واحد. فكانت فرنسا تنظر إلى قوة هذا الجار العسكرية بمثابة تهديد لأمن مملكتها، ولم يهدأ بالها إلا بعد أن تم إخراج الإنجليز من البلاد بعد حرب دامت مائة سنة.

 

وطد الملوك الفرنسيون سلطانهم في أنحاء الأراضي الفرنسية، ووجد الملك فيليب أغسطس أن مساحة مملكته أقل من مملكة بريطانيا. 

 

كانت الجزائر الجار الجنوبي وراء ضفة البحر المتوسط تنظر إليها فرنسا على أنها الجزء الذي يجب أن يلحق بها، وفي ذلك العهد كانت الجزائر تملك أسطولا بحريا ضخما أرهب كل دول حوض البحر المتوسط، غير أنه تحطم في (معركة نافرين) البحرية قرب اليونان سنة 1827م، ومن ثم أصبحت الجزائر في نظر فرنسا أرضا مستباحة ، وكان نابليون وبونابرت ينويان احتلال الجزائر غير أنهم رأوا في ذلك الوقت أنها عصية عن الاحتلال، ولكن بعدما تحطم أسطولها بدأت فرنسا تبحث عن الذرائع الممكنة لغزو الجزائر.

 

فلم تجد ذريعة إلا قصة المروحة لغزو الجزائر (كما قيل)، وانطلاقا من ميناء طولون أرسلت (37600 ) جنديا في عملية مباغتة، وتم إنزالهم في سواحل سيدي فرج بتاريخ 14 جوان 1830م، ثم بدأوا في التوغل واحتلال أجزاء من الأراضي الجزائرية بعد السيطرة على بعض المدن كالجزائر العاصمة. ونظرا للمقاومة التي عرقلت تقدم جيش الاحتلال في عمق الأراضي الجزائرية فرضت إدارة المحتل على الشعب قانونا يسمى بـ ( قانون الأهالي).

 

قاوم الشعب الجزائري تحت قيادة الأمير عبد القادر الاحتلال الفرسي، غير أن فرنسا نظرا لضخامة ترسانتها العسكرية تمكنت من بسط سيطرتها على جميع التراب الجزائري وظلت تستقدم الإرساليات التبشيرية لتغيير نهج المقاومة، وذلك بتوفير المدارس الفرنسية ومنع تدريس اللغة العربية ومنح جميع التسهيلات للهجرة والعمل في فرنسا، إلا أن كل الحوافز التي قدمتها فرنسا مع سياسة الإغراء لم تجد نفعا وجاءت بنتائج عكسية، عندئذ اتهمت الجزائريين بالشعب المتخلف الذي يعيش على هامش التاريخ.

 

حاولت فرنسا استخدام كل أساليب التفريق بين الشعب الجزائري وزرع بذور الطائفية واستطاعت تجنيد بعضهم ضد بعض، غير أن بعض الشخصيات الجزائرية مثل الشيخ عبد الحميد تفطنت لتلك المكائد التفريقية، فثارت في وجه هذه الأساليب برفع شعارات: (الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا)، ورفضت عملية التجنس بالفرنسية واعتبرت ذلك ذوبانا للشخصية الجزائرية، وفتحت في المقابل مدارس تحفيظ القرآن وتعليم اللغة العربية لتكوين نواة تضطلع بدور تربية الأجيال وتحضيرهم لإنشأ فرق المقاومة.

 

ثمرة هذا الجهد أدت إلى قيام ثورة أول نوفمبر 1954 التي دامت سبعة سنوات استشهد فيها نحو مليون ونصف شهيد، واستشهد في انتفاضة سطيف وخراطة وقالمة في الثامن ماي1945م وحدها ما يقارب من 45 ألفا من الجزائريين. وقتل ما بين الفترة 1830 إلى 1962 نحو 8 ملايين جزائري.

 

من أجل قمع الشعب الجزائري  بكل الوسائل لاخماد مقاومته وإلحاق الجزائر بفرنسا وجعلها جزء لا يتجزأ منها، وبلدا لتوطين الأوروبيين وسلب ثرواتها، أرتكبت أكبر جريمة في حق الشعب الجزائري دون سائر الشعوب، ومن أبشع الجرائم التي تعد جرائم حرب، جريمة تجربتها النووية التي فجرتها وسط سياج من المتهمين بالمقاومة بالقرب من مدينة رقان (أدرار).

 

إن حقبة الاستدمار الفرنسي شهدت تدميرا حقيقيا للثقافة وللطبيعة وخلفت أثارا اجتماعية واقتصادية وثقافية سيئة، وغرست في بعض أبنائها حب الولاء لفرنسا حتى أنه ظل بعضهم بعد الاستقلال مرتبطا ثقافيا وسياسيا بفرنسا. وفي أثناء احتلالها للجزائر ودول إفريقيا جندت أعدادا كثيرة منهم في الجيش الفرنسي لصيانة المصالح الفرنسية والدفاع عن الإمبراطورية الفرنسية بل دفعت بأعداد كبيرة شاركوا في الحربين العالمتين الأولى والثانية وحرب الهند الصينية لتأمين انتصارها ونفوذها بأبناء غير فرنسيين..

 

ووصلت تراكمات الظلم والفقر إلى الحاجات الأساسية في البلدان الخاضعة لها، بل وصلت إلى نقطة الانفجار الشعبي، وكانت تلقي إليهم بعض المواد لتسكيتهم لا من أجل رفع مستواهم المعيشي بدافع أخلاقي وتأمين الحد الأدنى لمعيشة الفرد بل فعلت ذلك من قبل المحافظة على هدوء وأمن المستعمرة.

 

طبقت إدارة الاحتلال الفرنسي سياسات ما زال مفعولها قائما إلى اليوم، وهي سياسة الإدماج الكلي على كل مستعمرة فرنسية طوعا أو قسرا، ورأت في قضية الجزائر أنه لا مناص من أن تكون فرنسية، ولا خيار لشعبها من أن يصبح فرنسيا، وأرضها جزء لا يتجزأ من التراب الفرنسي. وفكرة الاندماج في هذا المفهوم تعني في المنطق الفرنسي هو أن يتخلى الشعب الجزائري عن دينه وثقافته وهويته وانتماءاته، وبذلك وضعته أمام الخيار الضيق الذي ليس بعده اختيار، وخيرته بين الاندماج، وبين إخفائه من على وجه الأرض. 

 

  وخلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر ولمستعمراتها الأخرى في إفريقيا وآسيا عملت على تجنيد أبنائها في جيش الإمبراطورية الفرنسية، وخاضت في الحرب العالمية الأولى حربا ضد أعدائها الألمان بنسبة كبيرة من غير الفرنسيين، وزادت نسبة المنخرطين في الفرق العسكرية من الجزائر والمغرب والسينغال في الحرب العالمية الثانية  يفوق ما نسبته 60%.، وكذلك حاربت بالجزائريين في الفيتنام وهجرت منهم الكثير إلى غويانا وكاليدونيا الجديدة...  فسياسة فرنسا الاستعمارية كانت تهدف إلى تجنيد أكبر عدد في قطاعات جيوشها من شعوب البلدان الواقعة تحت الاحتلال وتحت قيادة ضباط فرنسيين، وهذا النوع من المجندين كانوا قد جاءوا من السنغال وحاربوا ضد المجاهين في الجزائر أثناء الثورة بقيادة ضباط فرنسيين، وكان الهدف من هذه السياسة هو شحن العلاقات بين الشعوب الإفريقية بالكراهية ضد بعضها لازهاق كل تضامن شعبي يمكن أن يقع ضد القوة المستعمرة وبث العداوة بين تلك الشعوب. وطبعا كانت الحملة الفرنسية صليبية بامتياز حيث حاولت بكل الوسائل تنصير الشعوب التي أحتلتها.

 

.... عبد الفتاح ب: Abdelfatah.b1@hotmail.fr

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق