]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سيرة المدينة ... ( الجزء الثالث 10-14)

بواسطة: مدحت الزناري  |  بتاريخ: 2012-03-21 ، الوقت: 05:22:13
  • تقييم المقالة:

 (10)
لفلفت خَصراً بليلِ مُلاءةٍ
من ساحةِ العشاقِ باسمةً تدانتْ.
في بياضٍ تحت أسودِها
فكانَ النورُ يأتي حيثما كانت.
وتَغْبَّشتْ كلُّ المرايا
إذ رأت حُسْناً لجلوتِها
وأطلقت من طَرفِ بُرقعِها سهاماً
أدركت في مشيةِِ الحمَّالِ أحمالاً
فمالتْ.
طرقَ الأصابعَ صانعٌ
لمّا تبدتُ للعيونِ كحيلةً
تصلُ الودادَ برقةٍ بجمالِ
كانت تفيضُ على البلادِ بسحرِها
ويميلُ إذ تمشي رجالٌ
أُهلِكوا من رنةِ الخْلخَالِ
تلكَ أيامُ الصبا لمدينةِ العشاقِ
الأسقفُ الشماءُ تشهدُ بالروائعِ في المباني
كانت تُطلُّ على العبادِ بزُخرُفٍ
بقيت نقوشٌ منهُ قائمةًً
على خُشُبٍ وجدرانِ
فما الذي قد شاهَ منها القلبَ والوجدانَ؟
فاتشحت بثوبِ القُبحِ
واتخذت من الأسمالِ فستانَ.


(11)
طفلُ المدينةٍ طيعٌ
سِمعَ الكلام،
أتمَّ من صحنِ الطعام
وعبَّ كوباً من حليبٍ
ثمَ نامْ.
طفلُ المدينةِ عارفٌ معنى الأدبْ
ساكتٌ
كما يجبْ
حافظٌ كلَ الدروسِ
وللمسائلِ قد حسبْ.
وهو أيضاً فاهمٌ ومرتبٌ
خائفٌ ومهذبٌ
وظهرُهُ المحنيُّ من حَملِِ الكُتب
من تركهِ زمنَ اللَّعبْ
كأنَهُ البروازُ عُلّقَ فوقَ أحجارِ الجدار
أو قطةٌ بلهاءُ تعشقُ دفءَ دار
لا تخالفُ ما يقولَُ لها الكبار
كذلك الأطفالُ في بيتِ المدينة
عُلَّموا منذُ البداياتِ الخنوع
فهم بأيديها رهينة
وهم بأعينها دُمُوع.


 (12)
هؤلاءِ الخانعونَ
همُ الذينَ بِحِجْرِها يتنعمونْ
أما الذينَ بجُحْرِها يتجهمونْ
فهمُ الذين تعذبوا كي يُطعموا
وهمُ الذينَ تََبَرعَموا  فتفحموا
من أي بابٍ يدخلون
فإنهم لا يسلمونْ.
من قهرهِم
جمَعُوا الزمانَ بعمرِهم
فهمُ العناقيدُ التي
لمّا تَدَلَّتْ من سُقوفِ ديارِهم
شُنقتْ على أسوارِهم
وهُمُ الذينَ تَسوقُهم صُبحاً إلى الصُّناعِ أقزاماً
تُزيلُ الشَحمَ عن آلاتِهم
وتحملُ الأقذاءَ من أفواهِهم
همُ الذين يُبعثرونَ بحجرِها
وبكفِها سَألوا
أَُذَِلوا لو بقرشٍ أُكْرِموا
وجرَّدَتهم من ملابسِهم على
فُرُشٍ بها الأطفالُ لا يتبسمونْ.
هؤلاءِ الضائعونَ بيومها لا يُذكرونْ
إلا كما ذُكرت بها الفئرانَُ
     والديدانُ
       والقِطَُ الخَئُونْ.
فلا يطيبُ عليكِ صبحٌ
أنتِ سيدةَُ الجراحْ
ما دامَ طفلٌ واحدٌ بكِ يستباحْ.
أنتِ قاهرةُ البطونِ المُهملةْ
والأرملةْ
وكلِ باكٍ في لياليكِ على
سُّرُرِ السكونْ.



(13)                         
كأنهم غرباءُ
قد مروا مرورَ الضيفِ
أشجارٌ لها ظلُ.
أو كالورودِ بعطرِها الفواحِ
طابَ المسكُ والفلُ.
ويلوحُ نورٌ كلما يمشونَ في أنحائها
هوناً
وصبرُ العارفينَ دليلُهم
ما ضيعوهُ إذا يطولُ بسعيهم
أبداً ولا غَلوا.
هم كالنسائمِ تستميلُ الروحَ
والأرواحُ في الأبدانِ تُحتلُ.
اللهُ أبقاها وذكرٌ في لسانهمِ
فهم بدعوتِهم عمادُ البيتِ
لا تنقضُ جدرانٌ إذا ذَكَروا
واللهُ مقصِدُهم لهُ قالوا
وقد عَمِلوا.


(14)
رَشَقتْ بأنحاءِ السماءِ مآذنْ
وتعانقت بصلِيبها وهلالِها
وتفسحت في الدرسِ من بعدِ العِشاءِ
وأنفقتْ في الخيرِ من أموالِها.
هذي المدينةُ مؤمنةْ
           متديَّنة
شَدَّتْ جموعُ العارفينَ العزمَ .. أعناقَ الإِبلْ
طرقت بها بابَ المحبةِ واستدلت بالسُّبُلْ
واستَفْتَحت بالذكرِ من قبلِ العملْ
واستجلَبت بالحَمدِ ناصيةَ الأملْ
لكنها ليست تماماً هكذا
فهي التي سرقت نعالَ الساجدين
وصَبَبتْ خمراً بكأسِ الشاربين
وأسرفت في المدحِ للقومِ العرايا الداعرين
هي السَّفورُ الفاجرةْ
والكافرة
أخذت برأي الملحدين
فلا يُصانُ بأرضها شرعٌ
وتسخرُ من كلامِ المصلحينْ.
لكنها ليست تماماً هكذا
هي باعةُ الأفيونِ خلفَ المسجدِ الأزهرْ.
هي من تصومُ الشهرَ في دأبٍ لآخرهِ
وتسكر
قبلَ عيدِ الفطرِ من كأسِ الشعيرْ.
هي نفخةُ الرُّوحِ الطَّهورِ تعيشُ في الجسدِ الحقير
هي التي جمعت قلوبَ الناسِ من شتتٍ
تُلبيِ  دعوةً للموتِ من صوتِ النَفِّيرْ.
لكنها ليست تماماً هكذا
هي هؤلاءِ
وهؤلاءِ
     وهؤلاءْ
هي مثلُّ كلِّ الناسِ
     من طينٍ وماءْ.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق